kawalisrif@hotmail.com

مليلية تطرد سفينة “ڤولكان” والحسيمة تستقبلها بالأهازيج وتحوّلها إلى عنوان للاحتفاء !

مليلية تطرد سفينة “ڤولكان” والحسيمة تستقبلها بالأهازيج وتحوّلها إلى عنوان للاحتفاء !

في الوقت الذي أعلنت فيه سلطات ميناء مليلية المحتلة طي صفحة سفينة “ڤولكان دي تيمانفايا” وتعويضها بسفن أحدث وأكثر راحة، كانت الحسيمة تستقبل الباخرة نفسها على خط موتريل – الحسيمة بعد فترة من توقف هذا الخط، الذي خلّف استياءً واسعاً في صفوف آلاف أفراد الجالية المغربية. إنها مفارقة يصعب تجاهلها، والأكثر إثارة أنها لم تصدر عن منتقدين أو منافسين، بل خرجت من قلب مليلية نفسها.

فخلال تقديمه حصيلة حركة النقل البحري برسم النصف الأول من سنة 2026، كشف رئيس سلطة ميناء مليلية، مانويل أنخيل كيفيدو، أن قرار الاستغناء عن “ڤولكان دي تيمانفايا” لم يكن نتيجة عطل تقني أو ظرف طارئ، بل قراراً استراتيجياً اتُّخذ قبل أسابيع خلال اجتماع بمدينة مالقة جمع رئيس شركة Baleària، أدولفو أوتور، بحاكم مليلية المحتلة خوان خوسيه إيمبرودا، ونائبه ميغيل مارين. أما العطل الذي أصاب السفينة، فلم يكن سوى عامل عجّل بتنفيذ قرار كان قد حُسم سلفاً.

ولم يكتفِ المسؤول الإسباني بالإعلان عن استبدال السفينة، بل عبّر صراحة عن أمله في ألا تعود إلى خطوط مليلية مجدداً، مبرراً ذلك بأنها لا توفر مستوى الخدمة الذي ينتظره المسافرون، وأن عدد كبائنها محدود ولا يناسب رحلة بحرية تمتد بين ست وسبع ساعات. كما أعلن أن الشركة تتجه إلى تعويضها بسفن أكثر تطوراً وراحة، في اعتراف واضح بأن هذه السفينة لم تعد تستجيب لمعايير الخدمة التي تريدها مليلية.

لكن ما إن ارتبط اسم السفينة بخط موتريل – الحسيمة حتى تبدلت النظرة إليها. فالباخرة التي اعتُبرت غير مناسبة لخطوط مليلية تحولت فجأة إلى عنوان للاحتفاء، وكأنها أصبحت الخيار الأمثل لإعادة الحياة إلى هذا الخط البحري.

والأكثر إثارة أن مليلية المحتلة والحسيمة مدينتان متجاورتان في شمال المملكة المغربية، لا يفصل بينهما سوى “بضعة أميال بحرية”. ومع ذلك، يبدو أن معايير الجودة بينهما أبعد بكثير من هذه المسافة. فما لم يعد يرقى إلى تطلعات المسافر في مليلية، يُراد له أن يصبح مصدر فرح واحتفاء في الحسيمة.

السؤال هنا لا يتعلق بالسفينة وحدها، بل بالمنطق الذي يحكم هذا المشهد. فإذا كانت الشركة تعتبر أن “ڤولكان” لم تعد توفر مستوى الخدمة الذي تستحقه خطوط مليلية، فبأي منطق تصبح مناسبة لخط موتريل – الحسيمة؟ وهل تختلف معايير الجودة باختلاف الميناء، أم أن المسافر المغربي يُفترض أن يقبل بما لم يعد يقبله غيره؟

القضية ليست هجوماً على سفينة بعينها، وإنما نقد لطريقة تفكير تجعل جودة الخدمة حقاً في مكان، وتفصيلاً يمكن التغاضي عنه في مكان آخر. فعندما يتعلق الأمر بمليلية، يكون الحديث عن تحديث الأسطول، وتحسين ظروف السفر، وزيادة عدد الكبائن، واستقدام سفن أكثر حداثة. أما عندما يتعلق الأمر بالحسيمة، فإن مجرد عودة الخط، بأي وسيلة كانت، يكفي لتحويل المناسبة إلى احتفال، وكأن جودة الخدمة لم تعد أولوية.

لا أحد يعارض إعادة تشغيل هذا الخط الحيوي، بل إن الجميع يطالب باستمراريته وتطويره. لكن إعادة فتح الخط لا ينبغي أن تكون نهاية الطموح، بل بدايته. فالمغاربة المقيمون بالخارج، الذين يساهمون سنوياً في إنجاح عملية “مرحبا” ويدعمون الاقتصاد الوطني بمليارات الدراهم، لا يطلبون امتيازات خاصة، وإنما خدمة تحترمهم بالقدر نفسه الذي تُحترم به تطلعات المسافرين على الخطوط الأخرى.

ولعل أكثر المشاهد إثارة للسخرية أن “ڤولكان دي تيمانفايا” غادرت مليلية لأن مسؤوليها رأوا أنها لم تعد ترتقي إلى مستوى الخدمة الذي يريدونه، بينما تحولت في الحسيمة إلى عنوان للاحتفاء بعودة الخط البحري. هناك يُحتفى بالسفن الجديدة لأنها تليق بالمسافرين، وهنا يُراد للناس أن يحتفلوا بسفينة استُبعدت من خط آخر لأنها لم تعد تستجيب للمعايير نفسها.

إنها مفارقة يصعب تبريرها؛ فما لم يعد يليق بمليلية أصبح في الحسيمة سبباً للأهازيج. وبين المدينتين، اللتين لا يفصل بينهما سوى “بضعة أميال بحرية”، لا تبدو المشكلة في المسافة، بل في اختلاف معايير الجودة واحترام المسافر. ويبقى السؤال الذي سيظل عالقاً فوق أمواج المتوسط: هل يستحق المسافر المغربي الخدمة نفسها التي تطالب بها الشركات لمسافريها في مليلية المحتلة، أم أن المطلوب منه أن يصفق دائماً… حتى لما لم يعد يرضي غيره؟

15/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts