حلّ الصحفي المغربي علي لمرابط ضيفاً على قناة كواترو الإسبانية، للتعليق على موضوع التعاون المغربي في عملية استرجاع القاصرين المتواجدين في سبتة المحتلة، في حوار بدا منذ بدايته وكأنه يتجاوز ملف القاصرين ليصبح، شيئاً فشيئاً، اختباراً لمواقف الرجل من المغرب وعلاقته بإسبانيا، وكأن الموضوع الأصلي لم يكن سوى باب صغير للدخول إلى ملفات أكبر وأكثر حساسية.
وبمجرد تقديم لمرابط بصفته صحفياً ومعتقلاً سابقاً، بدا أن مقدمة البرنامج تحاول دفع الحوار نحو الزاوية التي اعتاد جزء من الإعلام الإسباني البحث عنها لدى بعض الضيوف المغاربة: انتقاد المغرب وسياساته، والتشكيك في علاقته بإسبانيا، ثم الانتقال بسلاسة إلى سؤال الجار الموثوق، قبل الوصول إلى مغربية سبتة ومليلية، وانتهاءً بتجربة اعتقال لمرابط نفسه داخل المغرب. باختصار، بدا وكأن قائمة الأسئلة تعرف مسبقاً أين تريد الوصول، ولم يبق سوى الحصول على الإجابات المناسبة.
لكن المفاجأة أن لمرابط لم يتعاون كثيراً مع هذا السيناريو. لم يدخل الحوار بعقلية المعارض الذي ينتظر منصة أجنبية ليفتح دفتر الحسابات، ولم يحوّل مداخلته إلى حفلة مجانية لجلد المغرب أمام الكاميرات الإسبانية. كان أكثر هدوءاً، وأكثر حذراً، والأهم أنه بدا مدركاً أن السؤال أحياناً لا يكون بريئاً كما يبدو، وأن بعض الأسئلة لا تبحث عن جواب بقدر ما تبحث عن جملة تصلح عنواناً في اليوم التالي.
ولمرابط، بالنظر إلى تجربته الشخصية وما تعرض له سابقاً، كان يملك كل المبررات لكي يخرج عن هدوئه. كان يستطيع أن يحوّل الحلقة إلى جلسة لتصفية الحسابات، وأن يستعيد تفاصيل ما جرى له، وأن يرد الصاع صاعين، خصوصاً بعد حادثة اعتقاله خلال زيارته الأخيرة للمغرب. لكنه، وبطريقة قد تكون خيّبت شيئاً من حسابات من كان ينتظر الانفجار، اختار ألا يمنح الكاميرا ذلك المشهد.
واللافت أنه لم يقع في الفخ الكلاسيكي: إما أن تكون مع المغرب في كل شيء، أو تكون ضده في كل شيء. اختار لنفسه مساحة ثالثة أكثر تعقيداً: صحفي يجيب، وينتقد حيث يرى النقد ضرورياً، ويتحدث من موقعه، دون أن يسمح بتحويله إلى بطل في رواية أعدها الآخرون مسبقاً. وهنا تحديداً كانت المفارقة؛ فالمطلوب كان على ما يبدو معارضاً جاهزاً، فإذا بالضيف يصر على أن يبقى صحفياً.
كان بإمكانه أيضاً أن يمنح البرنامج ما يحبه التلفزيون كثيراً: عبارة نارية، غضباً مفاجئاً، سجالاً حاداً، أو تصريحاً يمكن اقتطاعه من سياقه وتدويره لساعات. لكنه لم يفعل. وكأن الرسالة كانت بسيطة: إذا كنتم قد دعوتموني لأجيب، فسأجيب؛ أما إذا كنتم قد دعوتموني لأؤدي الدور الذي كتبتموه لي مسبقاً، فهذه قصة أخرى.
وهنا ظهر الفرق بين من يملك موقفه ومن يسمح للمنصة بأن تمتلكه. فالإعلام يملك اختيار الأسئلة، لكنه لا يملك حق اختيار الإجابات. وهذه، على ما يبدو، كانت النقطة التي لم تكن في صالح سيناريو الحلقة. لأن الضيف الذي لا يغضب في اللحظة التي يُنتظر منه فيها الغضب، ولا يهاجم عندما تكون الهجمة هي المنتظرة، يمكن أن يصبح صداعاً صغيراً لمن حضّر الحلقة على إيقاع مختلف.
ولعل أكثر ما يثير شيئاً من السخرية أن بعض المنابر الإعلامية قد تستضيف صحفياً مغربياً وهي تتوقع منه تلقائياً أن يضع المغرب في قفص الاتهام، ثم تتفاجأ عندما يرفض الضيف ارتداء زي المدعي العام. وكأن مجرد كون الرجل مغربياً، ومعارضاً سابقاً، ومعتقلاً سابقاً، يعني بالضرورة أنه يحمل معه في حقيبته لائحة اتهام جاهزة لمدريد. لكن لمرابط، في هذا الحوار على الأقل، لم يبدُ مستعداً للقيام بهذه المهمة نيابة عن أحد.
حتى حين اقترب النقاش من ملفات شديدة الحساسية، ظل حريصاً على ألا تتحول تجربته الشخصية إلى ورقة لتصفية الحسابات. فهو لم يكن مطالباً بالدفاع عن المغرب دفاعاً أعمى، كما لم يكن مطالباً بمهاجمته إرضاءً لجمهور ينتظر من الضيف المغربي أن يقول ما يريد سماعه. كان مطالباً فقط بأن يكون حراً في أجوبته، وهذا تحديداً ما حاول أن يفعله.
والمفارقة الأكبر أن من حاول دفعه إلى الزاوية وجد أن الرجل لا يريد الجلوس فيها أصلاً. فالاستدراج يحتاج إلى ضيف مستعد للانفعال، أما الضيف الذي يراقب السؤال قبل أن يراقب الكاميرا، فيصعب تحويله إلى مادة سهلة الاستعمال. وهنا يصبح الهدوء أكثر إزعاجاً من الصراخ، لأن الصراخ ينتهي بانتهاء الحلقة، بينما الجواب الهادئ يترك السؤال نفسه معلقاً في الهواء.
وبعد دقائق، انتهى الاتصال من دون المشهد الذي ربما كان يمكن أن يمنح الحلقة مادة أكثر إثارة: لا انفجار، ولا معركة، ولا تصفية حسابات، ولا تصريحات صادمة تصلح للعناوين العاجلة. مجرد صحفي تحدث بهدوء، ورفض أن يتحول إلى نسخة تلفزيونية من الصورة التي قد يكون البعض قد رسمها له مسبقاً.
أحياناً، أقوى رد على من ينتظر منك الغضب هو ألا تغضب، وأقوى طريقة لإفساد محاولة استدراجك هي أن ترفض الدور المخصص لك. وفي حوار كواترو، ربما كانت المفاجأة الحقيقية أن علي لمرابط لم يكن المعارض الذي كانت بعض الأسئلة تبحث عنه، بل كان ببساطة علي لمرابط نفسه.
دخل إلى الحوار صحفياً، وخرج منه صحفياً؛ لا محامياً عن المغرب، ولا وكيلاً للاتهام ضده، ولا ضيفاً مستعداً لتقديم رأسه إلى ماكينة العناوين الجاهزة. وربما كانت هذه هي المفارقة التي أفسدت شيئاً من متعة السيناريو: أحياناً، عندما تبحث عن معارض غاضب، تجد أمامك صحفياً هادئاً … وعندها لا يبقى أمامك إلا أن تنهي الاتصال.
22/08/2026