kawalisrif@hotmail.com

مليلية المحتلة تصرخ في وجه مدريد … نائب حاكم المدينة يتهم حكومة سانشيز بالنفاق والتقاعس أمام أزمة سبتة

مليلية المحتلة تصرخ في وجه مدريد … نائب حاكم المدينة يتهم حكومة سانشيز بالنفاق والتقاعس أمام أزمة سبتة

في مشهد يكشف حجم الارتباك داخل دواليب سلطات الاحتلال، خرج نائب حاكم مليلية المحتلة، ميغيل مارين كوبوس، ليوجه اتهامات ثقيلة إلى حكومة بيدرو سانشيز، متهماً إياها بالنفاق والتقاعس في التعامل مع أزمة الهجرة التي تشهدها سبتة المحتلة، بعدما وجدت مدريد نفسها تطالب حزب الشعب بالمساهمة في خفض التوتر، وكأن مسؤولية تدبير الحدود الوهمية والأزمات أصبحت فجأة مهمة الأحزاب، لا الحكومة المركزية التي يفترض أن تتحمل المسؤولية كاملة.

المسؤول في سلطات الاحتلال بمليلية لم يكتفِ بالانتقاد السياسي، بل صعّد لهجته، متحدثاً عن التقاعس والإهمال والتخلي من جانب حكومة مدريد في مواجهة التطورات التي شهدتها سبتة المحتلة، ومشككاً في قدرة حكومة سانشيز على تقديم جواب حقيقي عن الأزمة ووضع حد لها.

وبحسب ما نقله الإعلام الإسباني، اعتبر مارين أن مطالبة حزب الشعب بالمساهمة في خفض التوتر، بعد طريقة تدبير الحكومة المركزية للأزمة، أمر يثير الاستغراب، مذكراً بأن مسؤولية مراقبة الحدود والتعامل مع الوضع تقع أساساً على عاتق حكومة مدريد.

وهنا يظهر التناقض الصارخ في الخطاب السياسي الإسباني: عندما تكون الأوضاع تحت السيطرة المعلنة، تسارع مدريد إلى تقديم جيبي سبتة ومليلية باعتبارهما خطاً متقدماً للدفاع عن الحدود الأوروبية، المقامة فوق التراب الوطني المغربي، وعندما تنفجر الأزمات، يبدأ تبادل الاتهامات داخل البيت السياسي الإسباني، وكأن سلطات الاحتلال نفسها اكتشفت فجأة أن الحدود التي تتغنى مدريد بإحكامها ليست بالصلابة التي تحاول تسويقها للرأي العام.

نائب حاكم مليلية المحتلة ذهب أبعد من ذلك، مطالباً بالتعامل بحزم مع حالات الدخول غير النظامي إلى سبتة، وبالإعادة الفورية للأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير نظامية، معتبراً أن ما يحدث في سبتة لا يمكن فصله عن وضع مليلية، باعتبار المدينتين، وفق الرواية الرسمية الإسبانية، تقعان على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

لكن المفارقة أن سلطات الاحتلال في المدينتين تتحدث باستمرار عن كونهما بوابتين أوروبيتين محصنتين، بينما تكشف الأزمات المتكررة أن هذا الخطاب يصطدم في كل مرة بواقع ميداني أكثر تعقيداً. فكلما ظهرت أزمة جديدة، تتسابق الأطراف الإسبانية إلى البحث عن المسؤول وتبادل الاتهامات، فيما يبقى السؤال الأكبر معلقاً: من يتحمل فعلياً مسؤولية ما يجري على الأرض؟

مارين، الذي يشغل أيضاً منصب الأمين العام لحزب الشعب في مليلية، اتهم الحكومة المركزية بالسلبية في التعامل مع أزمة سبتة، واعتبر أن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزراءه تعاملوا مع الوضع بطريقة غير مسؤولة، في وقت كانت فيه الأزمة، بحسب تقديره، تتطلب إجراءات استثنائية وتحركاً سريعاً ومنسقاً.

ولم يسلم حتى مجلس الأمن القومي الإسباني من الانتقاد، إذ اعتبر المسؤول أن تفعيله جاء متأخراً، بعدما كانت الأزمة قد وصلت إلى مرحلة وصفها بالاستثنائية وبدأت تفرض تداعياتها على المدينة المحتلة.

وبلغة أكثر وضوحاً، فإن ما يجري يكشف مرة أخرى أن سبتة ومليلية المحتلتين ليستا مجرد ملف أمني بالنسبة لمدريد، بل تتحولان عند كل أزمة إلى ورقة سياسية جاهزة للاشتعال كلما احتدمت المواجهة بين الأحزاب الإسبانية. الحكومة المركزية تلقي بالكرة في ملعب المعارضة، والمعارضة تستغل الأزمة لمهاجمة الحكومة، أما سلطات الاحتلال المحلية فتصرخ طلباً للدعم بعدما وجدت نفسها في قلب أزمة تتجاوز بكثير قدرتها على المناورة.

والأخطر أن الخطاب الإسباني نفسه بات يكشف هشاشة المنظومة التي تقدمها مدريد باعتبارها نموذجاً للسيطرة على حدودها الجنوبية. فإذا كانت سلطات الاحتلال في مليلية تتحدث عن ضرورة استعادة السيطرة، وإذا كان نائب حاكم المدينة يطالب الحكومة المركزية بتحرك حازم، وإذا كانت مدريد مطالبة بخفض التوتر واحتواء تداعيات أزمة سبتة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين ذهبت كل تلك الثقة التي طالما تحدثت بها إسبانيا عن إحكام قبضتها على المدينتين المحتلتين؟

مليلية المحتلة وسبتة المحتلة تبدوان اليوم مرة أخرى في قلب صراع سياسي إسباني مكشوف، حيث تتهاوى لغة الشعارات أمام ضغط الواقع، وتتحول الحدود إلى ساحة لتبادل الاتهامات، بينما يحاول كل طرف التنصل من مسؤولية أزمة لا يبدو أن أحداً يملك مفتاحها كاملاً.

وقد يكون أكثر ما يثير السخرية في المشهد أن سلطات الاحتلال التي اعتادت تقديم المدينتين على أنهما حصنان أوروبيان متقدمان، أصبحت اليوم تشتكي من غياب الحزم وتطالب مدريد باستعادة السيطرة ووقف تمدد الأزمة. وبينما تتبادل الأحزاب الإسبانية الاتهامات، يواصل الواقع فرض منطقه القاسي: الحدود التي تُقدَّم للرأي العام باعتبارها محكمة الإغلاق، يمكن لأزمة واحدة أن تكشف حجم التصدعات المختبئة خلفها، وتحوّل خطاب القوة والسيطرة إلى مجرد شعارات تتهاوى عند أول اختبار حقيقي.

31/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts