لم تعد الانتخابات السويدية مجرد سباق تقليدي بين اليمين واليسار، بعدما تحولت أصوات الناخبين من أصول مهاجرة، وخصوصاً المسلمين منهم، إلى ورقة انتخابية قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة. ومع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في 13 شتنبر، تبرز معطيات جديدة تفتح نقاشاً حاداً حول طبيعة التحولات التي تشهدها الساحة السياسية السويدية، وصولاً إلى الحديث عن استخدام اللغة العربية في الحملات الانتخابية لاستمالة الناخبين المسلمين.
ومنذ سنة 2022، تحكم السويد حكومة من يمين الوسط بدعم برلماني من حزب “ديمقراطيو السويد”، في تجربة سياسية أثارت اهتماماً واسعاً، خصوصاً أن البلاد لطالما ارتبطت في المخيال الأوروبي بنموذج اجتماعي تقدمي وليبرالي. غير أن الانتخابات المقبلة قد تعيد ترتيب الأوراق، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي، وفق المعطيات المتاحة، إمكانية عودة الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى صدارة النتائج، مع احتمال حصول تحالف يساري على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الناخبون المسلمون من أصول مهاجرة، ويُقدّر عددهم بما بين 300 ألف و450 ألف شخص. وبحسب استطلاع لشركة “Novus”، يميل الناخبون المسلمون بدرجة كبيرة إلى أحزاب اليسار، إذ تصل نسبة التأييد للحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى 61.6 في المائة، مقابل 18.7 في المائة لحزب اليسار و4.9 في المائة لحزب الخضر.
هذه الأرقام تفسر سبب تحول الناخب المسلم إلى هدف انتخابي مغرٍ للأحزاب السياسية السويدية. فحين تكون المنافسة على تشكيل الحكومة متقاربة، تصبح مئات الآلاف من الأصوات قادرة على تغيير موازين القوى، وهو ما يجعل استمالة هذه الكتلة الانتخابية أكثر أهمية مع اقتراب يوم الاقتراع.
وتشير المعطيات إلى أن اليسار السويدي لا ينظر إلى هذه الأصوات باعتبارها مجرد أصوات إضافية، وإنما كفرصة لتعويض جزء من الناخبين التقليديين الذين فقدتها أحزاب اليسار خلال السنوات الماضية. ومن هذا المنطلق، ترتبط التحولات الديموغرافية والهجرة بإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية السويدية، في ظل تنامي وزن المواطنين من أصول مهاجرة داخل المشهد السياسي.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالأحزاب التي تتبنى خطاباً علمانياً وتقدمياً، في مقابل ناخبين ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية مختلفة. وبحسب نتائج “Novus”، فإن نحو 85 في المائة من الناخبين المسلمين الذين شملهم الاستطلاع يميلون إلى أحزاب يسارية أو خضراء، في حين تحظى أحزاب يمين الوسط بنسب تأييد محدودة جداً.
أما رئيس الوزراء الحالي أولف كريسترسون، زعيم حزب المعتدلين، فقد وصل إلى منصبه بعد تصويت برلماني شديد التقارب، انتهى بـ176 صوتاً مؤيداً مقابل 173 صوتاً معارضاً. وهذا الهامش الضيق يوضح أهمية كل كتلة انتخابية في معركة تشكيل الحكومة السويدية.
وفي محاولة لكسب ود الناخبين المسلمين، تشير المعطيات إلى أن كريسترسون سبق أن هنأ المسلمين بمناسبة انتهاء شهر رمضان في أبريل 2024. غير أن استطلاع “Novus” يمنح حزب المعتدلين نسبة تأييد لا تتجاوز 2.1 في المائة بين المسلمين، فيما حصل الديمقراطيون المسيحيون على 1.5 في المائة والليبراليون على 0.2 في المائة.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط المشهد إثارة للانتباه: اللغة نفسها تحولت إلى أداة في المعركة الانتخابية. فالحديث عن ملصقات وحملات انتخابية باللغة العربية يعكس إدراك الأحزاب السياسية أن الوصول إلى الناخبين من أصول مهاجرة لا يمر دائماً عبر الخطاب السياسي السويدي التقليدي، وإنما قد يتطلب مخاطبتهم بلغتهم أيضاً.
وبينما يمكن النظر إلى استخدام العربية في الحملات الانتخابية باعتباره دليلاً على تغير طبيعة المنافسة السياسية، يمكن قراءته أيضاً باعتباره نتيجة طبيعية لتنوع المجتمع السويدي واتساع قاعدة المواطنين من أصول مهاجرة. فالانتخابات الديمقراطية تقوم في نهاية المطاف على محاولة الأحزاب إقناع أكبر عدد ممكن من الناخبين، أياً كانت خلفياتهم.
لكن الرهان على الصوت المسلم يطرح في المقابل سؤالاً سياسياً حساساً: هل تتحول الهوية الدينية والثقافية إلى عامل أكثر تأثيراً في الاختيار الانتخابي من الانتماء الطبقي أو الاقتصادي؟ وهل أصبح مستقبل اليسار السويدي مرتبطاً بشكل متزايد بقدرته على الحفاظ على دعم الناخبين من أصول مهاجرة؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر مع اقتراب انتخابات 13 شتنبر، خصوصاً في ظل احتمال عودة الاشتراكيين إلى صدارة المشهد. فإذا تحققت توقعات استطلاعات الرأي، فإن السويد قد تشهد انتقالاً سياسياً جديداً، ولن يكون الصراع هذه المرة حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل أيضاً حول الكتلة الانتخابية التي ستملك القدرة على ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك.
وبذلك تبدو الانتخابات السويدية المقبلة أشبه بمعركة على “الصوت الحاسم”: اليمين يريد الحفاظ على موقعه، واليسار يطمح إلى استعادة الحكومة، والناخبون من أصول مهاجرة باتوا في قلب الحسابات الانتخابية. وبين الملصقات المكتوبة بالسويدية وتلك التي تظهر بالعربية، تبدو الرسالة واضحة: الصوت الذي كان هامشياً في حسابات الأمس قد يصبح مفتاح السلطة في ستوكهولم غداً.
01/09/2026