kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا :     دراسة تكشف المفارقة .. العامل يدفع 310 ساعات إضافية من عمره سنويًا .. ساعات عمل أكثر وأجر أقل !

إسبانيا : دراسة تكشف المفارقة .. العامل يدفع 310 ساعات إضافية من عمره سنويًا .. ساعات عمل أكثر وأجر أقل !

في إسبانيا، لا يبدو أن طول يوم العمل يترجم بالضرورة إلى راتب أقوى أو قدرة شرائية أكبر، بل تكشف أرقام جديدة عن مفارقة لافتة: العامل في إسبانيا يحتاج إلى ساعات عمل أكثر من نظيره الألماني أو النمساوي للوصول إلى القيمة نفسها من القوة الشرائية، في وقت يظل فيه متوسط الأجر الإسباني دون مستوى البلدين. ووفق تحليل استند إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن المفارقة لا تتعلق فقط بحجم الرواتب، وإنما أيضًا بعدد الساعات التي يقضيها الإسباني في العمل.

وتشير المعطيات إلى أن متوسط الأجر السنوي في إسبانيا بلغ سنة 2024 حوالي 33,044 يورو، مقابل 50,257 يورو في ألمانيا، فيما يصل متوسط الأجر في النمسا إلى مستوى أعلى عند احتساب القوة الشرائية. وحتى بعد تعديل الأرقام وفق تعادل القوة الشرائية، الذي يسمح بمقارنة الأجور مع مراعاة اختلاف الأسعار بين الدول، ظل الفارق واضحًا؛ إذ يعادل متوسط الأجر الإسباني نحو 54,564 دولارًا، مقابل 69,433 دولارًا لألمانيا، وحوالي 75,500 دولار للنمسا.

لكن المفاجأة لا تتوقف عند الراتب، فحين تنتقل المقارنة إلى ساعات العمل تتضح صورة أكثر إثارة للانتباه. ففي عام 2024، بلغ متوسط ساعات العمل الفعلية لكل موظف في إسبانيا 1,644 ساعة سنويًا، بينما لم يتجاوز الرقم 1,334 ساعة في ألمانيا و1,435 ساعة في النمسا. أي أن العامل الإسباني يقضي وقتًا أطول في العمل، رغم أن متوسط دخله السنوي أقل من دخل نظيره في البلدين الأوروبيين.

وبلغة الأرقام، عمل الموظف الإسباني في المتوسط نحو 310 ساعات إضافية سنويًا مقارنة بالموظف الألماني، وحوالي 209 ساعات أكثر من الموظف النمساوي. والفارق يعادل تقريبًا ثمانية أسابيع عمل إضافية، إذا احتُسبت ساعات العمل على أساس 40 ساعة أسبوعيًا مقارنة بألمانيا، وأكثر من خمسة أسابيع إضافية مقارنة بالنمسا. وهي أرقام ترسم صورة لسوق عمل يبدو فيه الوقت المبذول أكبر من العائد الذي يحصل عليه العامل.

وهذه المعادلة لا تتوقف عند العامل الإسباني، بل تمتد بشكل مباشر إلى مئات الآلاف من المهاجرين الذين جعلوا من إسبانيا محطة للعمل والاستقرار، وفي مقدمتهم المغاربة. فبالنسبة إلى شريحة من مغاربة إسبانيا، يصبح مستوى الأجور وكلفة المعيشة وساعات العمل عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان الاستقرار في إسبانيا سيظل خيارًا اقتصاديًا جذابًا، أم أن البحث عن فرص أفضل في بلدان شمال أوروبا قد يتحول إلى خطوة جديدة في المسار المهني.

وتزداد أهمية هذه النقطة بالنسبة إلى المغاربة الذين تمكنوا من تسوية أوضاعهم القانونية في إسبانيا، إذ إن الحصول على الإقامة والعمل لا يعني بالضرورة نهاية رحلة البحث عن مستقبل اقتصادي أفضل. فبعد تجاوز عقبة الوضع القانوني، يبدأ سؤال آخر في الظهور: أين توجد الأجور الأفضل، وأين يمكن تحويل ساعات العمل إلى دخل وقدرة شرائية أعلى؟ ومن هنا يبرز انتقال بعض العمال والمقيمين، بعد تسوية أوضاعهم، نحو دول أوروبية أخرى توفر في بعض القطاعات أجورًا وشروط عمل أكثر جاذبية.

ولا يعني ذلك أن إسبانيا تفقد جاذبيتها أو أن جميع المغاربة يتجهون إلى مغادرتها، لكن المفارقة الاقتصادية التي تكشفها هذه الأرقام قد تساعد على فهم دوافع من يقررون مواصلة الرحلة داخل أوروبا بدل الاستقرار النهائي في إسبانيا. فحين تقارن اليد العاملة بين سوق وآخر، فإنها لا تنظر فقط إلى إمكانية الحصول على وظيفة، وإنما إلى ما يتبقى من الراتب بعد السكن والمعيشة والضرائب، وإلى عدد الساعات المطلوبة للحصول على مستوى المعيشة نفسه.

أما عندما يتعلق الأمر بكسب ما يعادل 1,000 دولار من القوة الشرائية، فتحتل إسبانيا موقعًا متوسطًا في التصنيف العالمي، إذ جاءت في المرتبة 19 من أصل 38 دولة شملها التحليل، ويحتاج العامل الإسباني إلى نحو 30 ساعة من العمل لبلوغ هذه القيمة. والمقصود هنا ليس أن العامل يتلقى 1,000 دولار مباشرة في راتبه، وإنما قيمة محسوبة وفق تعادل القوة الشرائية لتسهيل المقارنة بين اقتصادات تختلف فيها مستويات الأسعار.

وعلى رأس قائمة الدول التي يحتاج عمالها إلى أطول وقت لبلوغ القيمة نفسها، جاءت كولومبيا بنحو 86 ساعة، تليها المكسيك بـ78 ساعة، ثم اليونان بـ60 ساعة، وكوستاريكا بـ53 ساعة، بينما تحتاج المجر وتشيلي إلى حوالي 51 ساعة. وفي الطرف الآخر، تبدو الصورة مختلفة تمامًا في لوكسمبورغ وآيسلندا، حيث لا يتطلب بلوغ القيمة نفسها سوى نحو 16 ساعة عمل، مقابل 18 ساعة في سويسرا، و19 ساعة في كل من هولندا والنرويج والدنمارك.

وهكذا تكشف المقارنة عن مفارقة تتجاوز حدود إسبانيا نفسها: سوق عمل يفرض ساعات طويلة نسبيًا، بينما تظل الأجور والقوة الشرائية أدنى من مستويات دول أوروبية أخرى. وبالنسبة إلى مغاربة إسبانيا، قد تجعل هذه الفوارق الحسابات أكثر تعقيدًا، خصوصًا لدى من يملكون وضعًا قانونيًا مستقرًا وخبرة مهنية تسمح لهم بالنظر إلى أسواق أوروبية أخرى. فالتسوية قد تفتح باب الاستقرار، لكنها لا تغلق باب البحث عن الأفضل، وقد تتحول إسبانيا بالنسبة إلى بعضهم من وجهة نهائية إلى محطة داخل مسار أوروبي أطول، عنوانه ببساطة: الوقت نفسه تقريبًا، لكن أين يكون العائد أكبر؟

02/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts