تحتفظ منطقة تافيلالت، إلى جانب واحاتِها ومعالمها العمرانية، بتراث غذائي يعكس تنوعها الثقافي وخصوصية عاداتها المحلية، ومن بين أطباقها التقليدية يبرز لفراخ، أو صغار الحمام، الذي ارتبط بمدينة الريصاني ومحيطها وظل متوارثاً داخل الأسر، خصوصاً في المناسبات التي تحظى فيها المائدة بعناية خاصة. وتبدأ طريقة إعداده بتنظيف الطيور بعناية وإزالة الريش والزغب، قبل حشوها بخليط غني من البيض وزيت الزيتون واللحم أو الكفتة والتوابل، ثم خياطة فتحتها بإحكام وطهيها في الفرن، وهي مراحل تتطلب مهارة يدوية اكتسبتها نساء المنطقة عبر الممارسة ونقل الوصفة من جيل إلى آخر. كما يحضر الطبق في بعض عزائم المصاهرة والضيافة، ولا سيما بالريصاني وأرفود، حيث ارتبط تقديمه بقيم الكرم وحسن استقبال الضيوف.
ويعتبر عبد الملك مغراوي، الباحث في السيميائيات والأنساق الثقافية، أن لفراخ من الأكلات الشعبية المميزة لتافيلالت، إلى جانب المدفونة، مشيراً إلى أن خصوصيته لا تكمن في مكوناته وطعمه فقط، وإنما في أسلوب تحضيره وطقوس تقديمه داخل القصور والقصبات والمجال الواحي. وأوضح، في إفادة لـلكواليس الريف، أن إعداد الطبق يتطلب خبرة تبدأ من اختيار الطيور وتنظيفها وتجهيزها، وأن هذه المعارف الغذائية انتقلت داخل الأسر بالممارسة أكثر مما انتقلت عبر وصفات مكتوبة. ويرتبط الطبق، بحسب الباحث، بالمناسبات والضيافة أكثر من ارتباطه بالاستهلاك اليومي، كما تزداد رمزيته خلال فصل الشتاء بالنظر إلى مكوناته وتوابله، بينما يعكس اختلاف طرق تحضيره بين مكونات المجال الفيلالي تنوع العادات الغذائية وتداخلها مع البيئة والمناخ ونمط العيش.
ومن جانبه، يربط محمد أمين جليلي، من أبناء مدينة الريصاني، استمرار الطبق بمهارات يدوية دقيقة ظلت متداولة داخل العائلات، مع استعانة بعض الأسر، عند الحاجة، بنساء اشتهرن بإتقان تنظيف الطيور وحشوها وإعدادها. ويشير إلى أن لفراخ لم يحقق الانتشار التجاري نفسه الذي عرفته المدفونة الفيلالية، التي أصبحت متاحة في الأسواق ومحال الأكل بفضل سهولة تحضيرها وإنتاجها بكميات أكبر، في حين يظل الطبق الأول أكثر ارتباطاً بالمطبخ المنزلي والمناسبات الخاصة. ويرجع جليلي ذلك أيضاً إلى صعوبة توفير الطيور المناسبة لإعداده، إذ لا يصلح له أي حمام، فضلاً عن أن مراحل تجهيزه وحشوه وطهيه لا تتلاءم بسهولة مع الإنتاج السريع على نطاق واسع، معتبراً أن محدودية انتشاره لا تنتقص من قيمته، بل تبرز خصوصيته باعتباره جزءاً من الموروث الغذائي لمدينة مولاي علي الشريف.
02/09/2026