يبدو أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية لم تجد ما هو أكثر إغراءً من إعادة تسخين ملف سبتة المحتلة، واستدعاء “شبح المغرب” إلى الواجهة، بعد إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية “عندما تتوفر الظروف المناسبة لذلك”. إعلان بلا موعد، ولا برنامج رسمي معلن، ولا حتى تأكيد من القصر الملكي الإسباني بأن الزيارة باتت وشيكة، لكنه كان كافياً لدى بعض المنابر لفتح دفتر الأزمات القديمة، واستحضار قاموس “التوتر” و”الغضب المغربي”، وكأن الطائرة العمودية حطت بالفعل في مهبط المروحيات بسبتة.
المفارقة أن المغرب لم يصدر، وفق المعطيات التي أوردتها إذاعة “أوندا ثيرو” نفسها، أي احتجاج رسمي بشأن زيارة لم يُحدد تاريخها أصلاً. ومع ذلك، سارعت الإذاعة إلى الحديث عن “حساسية خاصة” في المغرب وعن احتمال أن تؤدي الزيارة إلى “إحياء الأزمة” بين الرباط ومدريد. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين هو الموقف المغربي الذي يجري الحديث عنه؟ فإذا كانت الرباط لم تقل كلمتها، فمن الذي قرر أن يتحدث باسمها؟ يبدو أن بعض الإعلام الإسباني لم يعد ينتظر رد المغرب، بل صار يكتبه مسبقاً، ثم يقدمه للجمهور باعتباره السيناريو المتوقع.
ولم تتوقف جرعة الاستباق عند هذا الحد، إذ حاولت “أوندا ثيرو” ربط الزيارة المحتملة بالانتخابات التشريعية المغربية المرتقبة في 23 شتنبر، وكأن الناخب المغربي سيضع ورقة الاقتراع في الصندوق ثم يرفع عينيه نحو مدريد منتظراً معرفة موعد زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية. إنه ربط يصعب اعتباره أكثر من محاولة لإضفاء نكهة انتخابية على ملف حساس، وتحويل كل حركة إسبانية في المدينتين المحتلتين إلى حدث يفترض أن يهز المشهد السياسي المغربي.
ولرفع منسوب الإثارة أكثر، عادت الإذاعة نحو عقدين إلى الوراء، واستحضرت زيارة الملك السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية في نونبر 2007، وهي الزيارة التي فجرت آنذاك أزمة دبلوماسية مع الرباط. فقد وصف الوزير الأول المغربي حينها، عباس الفاسي، الزيارة بأنها “استفزاز” وغير مناسبة، بينما استدعت الرباط سفيرها في مدريد عمر عزيمان للتشاور، وعلقت بعض الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى، وسط توتر سياسي وإعلامي واضح.
وكان جلالة الملك محمد السادس قد وصف تلك الزيارة بأنها “مؤسفة” و”غير مجدية”، وربطها، وفق التعبير المنقول عنه، بالحنين إلى “حقبة مظلمة تجاوزها الزمن”، محذراً من تداعياتها على العلاقات بين البلدين. ومع ذلك، لم تنته القصة إلى قطيعة، إذ تمكنت حكومة خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو من احتواء الأزمة، واستمرت الرباط ومدريد في بناء قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني.
لكن استحضار أزمة 2007 اليوم يبدو أقرب إلى محاولة لجر الماضي من أرشيفه ووضعه فوق طاولة الحاضر، وكأن العلاقات المغربية الإسبانية توقفت عند تلك اللحظة ولم تعرف أي تحول منذ ذلك التاريخ. والحال أن العلاقة بين الرباط ومدريد أصبحت أكثر تشابكاً في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة، وأصبح التعاون بين البلدين واقعاً لا يمكن محوه بمجرد إعادة تدوير صور أزمة مضى عليها ما يقارب عشرين عاماً.
أما فيليبي السادس، فلم يزر سبتة أو مليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014، ما يجعل أي زيارة مستقبلية ذات حمولة رمزية كبيرة بالنسبة إلى مدريد. لكن الرمزية الإسبانية لا تلغي الحساسية السيادية والتاريخية التي يمثلها ملف المدينتين بالنسبة إلى المغرب. فالأمر، من منظور الرباط، لا يتعلق برحلة بروتوكولية عابرة، ولا بصورة ملكية أمام الكاميرات، بل بملف يرتبط بجوهر النزاع حول السيادة والحدود ومستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.
والمشكلة تبدأ تحديداً عندما تتحول سبتة ومليلية إلى أوراق جاهزة للاستهلاك السياسي والإعلامي في إسبانيا. فإذا كانت مدريد تؤكد في كل مناسبة حرصها على الشراكة الاستراتيجية مع الرباط، فإن إعادة تدوير المدينتين المحتلتين باعتبارهما منصة لاستعراض القوة أو مادة لاستحضار “الخطر المغربي” لا تبدو منسجمة كثيراً مع خطاب الشراكة والتهدئة. فمن الصعب بناء علاقة استراتيجية بيد، ثم نفخ الغبار عن أكثر الملفات حساسية باليد الأخرى.
واللافت أن “أوندا ثيرو” تقدم المغرب كما لو أنه يقف خلف الباب، ممسكاً ببيان احتجاج جاهز، ولا ينتظر سوى إعلان موعد الزيارة حتى يفتح الملف. غير أن المعطيات التي أوردتها الإذاعة نفسها لا تتحدث عن احتجاج رسمي مغربي. وهنا تتحول المعادلة الإعلامية إلى شيء أشبه بـ”غرفة انتظار للأزمة”: تُفترض الزيارة، ثم يُفترض الغضب المغربي، ثم تُستعاد أزمة 2007، وبعدها تُقدَّم النتيجة للجمهور على أنها أزمة محتملة. وبذلك يصبح الخبر هو “رد الفعل المتوقع”، قبل أن يقع الفعل أصلاً.
أما ربط الزيارة بأزمة الهجرة التي شهدتها سبتة خلال يوليوز، حين دخل عشرات الآلاف من الجانب المغربي إلى المدينة المحتلة، فيحتاج بدوره إلى قدر أكبر من التوازن. فسانشيز نفسه، وفق ما نقلته الإذاعة، دافع عن التعاون المغربي خلال الأزمة، وأكد وجود “حجج وأسباب كافية” لزيارة الملك للمدينتين. أي أن رئيس الحكومة الإسبانية يتحدث عن التعاون مع الرباط، بينما يختار جزء من الإعلام الإسباني إعادة تركيب المشهد بلغة الاستفزاز والمواجهة.
والأكثر إثارة للسخرية أن الحديث عن أزمة جديدة يجري بينما لا توجد، حتى الآن، أزمة جديدة. لا موعد رسمي للزيارة، ولا إعلان عن برنامج ملكي وشيك، ولا احتجاج مغربي رسمي بشأنها، ومع ذلك جرى استدعاء الانتخابات المغربية، وأزمة الهجرة، وأحداث 2007، وملف السيادة، والعلاقة مع الرباط، لبناء رواية متكاملة حول عاصفة لم تبدأ بعد.
والواقع أن الرباط ليست مطالبة بالدخول في سباق إعلامي مع مدريد حول زيارة لم تُبرمج. فموقف المغرب من سبتة ومليلية ليس وليد تصريح عابر، ولا يحتاج إلى “تذكير” من إذاعة أو صحيفة إسبانية، كما أن قضية المدينتين لا تتحدد وفق جدول الزيارات الملكية الإسبانية ولا وفق أجندة التغطيات الإعلامية في مدريد.
وإذا كانت إسبانيا حريصة فعلاً على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، فإن الحكمة تقتضي التعامل مع الملفات الحساسة بقدر من الرصانة، وإبعادها عن المزايدات السياسية والإعلامية. أما تحويل زيارة محتملة إلى اختبار قوة فوق تراب سبتة المحتلة، ثم البحث مسبقاً عن “الغضب المغربي” في الأدراج، فهو لا يخدم لا الاستقرار ولا الشراكة، بل يعيد إنتاج مناخ توتر لا يبدو أن الرباط طلبته أصلاً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً ليس: “متى سيزور فيليبي السادس سبتة ومليلية؟”، لأن الجواب ببساطة هو أنه لا موعد محدداً بعد. السؤال الحقيقي هو: من الذي يستعجل الأزمة؟ فمن الواضح أن الرباط لم تتكلم بعد، بينما بعض المنابر في مدريد تكفلت مسبقاً بكتابة ردها، واستحضار غضبها، واستدعاء أزمة 2007، وحتى رسم ملامح المواجهة المقبلة.
وهكذا، قبل أن تطأ قدما فيليبي السادس أرض سبتة المغربية المحتلة، يبدو أن بعض الإعلام الإسباني قد أنجز الزيارة كاملة على الورق: استقبل الملك، وأثار الأزمة، واستدعى الرباط، وتوقع غضبها، ثم عاد ليحكي للجمهور كيف بدأت الأزمة. بقي فقط أن تتكلم الرباط… وربما يكون أكثر ما يربك هذا السيناريو أن تكتشف مدريد أن كل هذا الضجيج كان يدور، حتى الآن، من طرف واحد.
02/09/2026