kawalisrif@hotmail.com

فرنسا أمام اختبار إفريقي حاسم لإعادة بناء نفوذها

فرنسا أمام اختبار إفريقي حاسم لإعادة بناء نفوذها

تواجه فرنسا مرحلة دقيقة في علاقاتها مع إفريقيا، بعدما تعرض نفوذها التقليدي لتراجعات متتالية خلال السنوات الأخيرة، بفعل صعود نخب سياسية جديدة، وتصاعد الرفض الشعبي للوجود الفرنسي، وانسحاب القوات الفرنسية من عدد من دول الساحل، إلى جانب اشتداد المنافسة الدولية على القارة. ويرى إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية ومدير مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، أن إفريقيا، بما تزخر به من موارد طبيعية وثروات معدنية وتنوع سكاني وجغرافي وثقافي، أصبحت ساحة تنافس متزايد بين قوى دولية كبرى، بينما وجدت باريس نفسها مضطرة إلى مراجعة أدوات نفوذها التي اعتمدت عليها لعقود، من الحضور العسكري والاقتصادي إلى التأثير الثقافي واللغوي.

ويشير لكريني، في دراسة منشورة بموقع تريندز للبحوث، إلى أن الإرث الاستعماري لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات الفرنسية الإفريقية، بعدما استمرت، عقب الاستقلال، أشكال من التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية في عدد من الدول. واعتمد النفوذ الفرنسي، بحسب الباحث، على علاقات وثيقة مع النخب الحاكمة، واتفاقيات أمنية وعسكرية، ونشاط الشركات الفرنسية الكبرى، والفرنك الإفريقي، إلى جانب الفرانكوفونية. غير أن هذه المنظومة بدأت تتآكل مع وصول نخب جديدة إلى السلطة، سواء عبر الانتخابات أو الانقلابات، وتصاعد المطالب بإنهاء أشكال الهيمنة الفرنسية. كما ساهمت الانتقادات الموجهة إلى المقاربات العسكرية الفرنسية في مكافحة الإرهاب، واستمرار الأزمات الأمنية والاجتماعية، في تعميق أزمة الثقة، بالتزامن مع توجه دول إفريقية نحو شراكات أوسع مع الصين وروسيا وتركيا واليابان والولايات المتحدة وغيرها.

وأمام هذا التحول، يحاول إيمانويل ماكرون إعادة صياغة الحضور الفرنسي عبر التركيز بصورة أكبر على الاقتصاد والاستثمار والانفتاح على دول إفريقية تتجاوز المجال الفرانكوفوني التقليدي. ويعتبر لكريني أن زيارة ماكرون إلى كينيا في ماي 2026، وترؤسه إلى جانب الرئيس الكيني وليام روتو قمة إفريقيا إلى الأمام في نيروبي، تعكسان هذا التوجه، خصوصاً مع التعهد باستثمارات تناهز 23 مليار يورو في مجالات من بينها الزراعة والطاقة والذكاء الاصطناعي. ويرى الباحث أن مستقبل العلاقات سيظل مفتوحاً على ثلاثة مسارات: إعادة بناء شراكة أكثر توازناً واحتراماً لسيادة الدول الإفريقية، أو استمرار تراجع النفوذ الفرنسي لصالح منافسين دوليين، أو تشديد باريس ضغوطها وعقوباتها على الأنظمة التي تعتبرها معادية لمصالحها. وفي جميع الحالات، يبقى نجاح فرنسا في الحفاظ على موقعها رهيناً بقدرتها على التخلي عن مقاربات الهيمنة السابقة واعتماد شراكات تقوم على الندية والمصالح المشتركة، في وقت تسعى فيه إفريقيا إلى تعزيز استقلال قرارها وتنويع شركائها داخل نظام دولي متغير.

02/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts