لم تهدأ تداعيات أزمة الهجرة التي هزت مدينة سبتة خلال يوليو الماضي، بل انتقلت من الحدود إلى قلب الشارع الإسباني، بعدما خرج عشرات الآلاف في مظاهرات بعدد من المدن، احتجاجاً على طريقة تدبير الحكومة المركزية للأزمة، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
وكانت سبتة في صدارة المشهد، حيث تحولت الاحتفالات السنوية بالمدينة إلى مناسبة لتعبير واسع عن الغضب. وقدرت السلطات عدد المشاركين في المسيرة بنحو 20 ألف شخص، في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها حوالي 80 ألف نسمة.
ورفع المتظاهرون الأعلام الإسبانية، وردد عدد منهم شعارات تطالب الحكومة المركزية بتشديد الدفاع عن سبتة، بينما ارتفعت أصوات أخرى تطالب باستقالة سانشيز. كما سجلت خلال المسيرة شعارات معادية للمهاجرين، في مؤشر على حجم التوتر الذي خلفته أحداث يوليو داخل المدينة.
ففي العاصمة مدريد، نزل نحو 50 ألف شخص إلى الشارع، قبل أن تتطور الأوضاع قرب مقر مجلس النواب إلى مواجهات مع قوات الأمن، وفق ما أوردته تقارير عن استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق متظاهرين.
وأسفرت الأحداث، وفق حصيلة أولية لمندوبية الحكومة في مدريد، عن توقيف أربعة أشخاص، من بينهم قاصران، للاشتباه في تورطهم في أعمال مرتبطة بالإخلال بالنظام العام والاعتداء على عناصر السلطة، فيما أصيب أربعة من أفراد الشرطة بجروح.
وفي الأندلس، اتخذت الاحتجاجات حجماً أكبر، إذ قدرت الشرطة الوطنية عدد المشاركين بنحو 160 ألف شخص، مع تركّز أعداد كبيرة في مالقة وإشبيلية.
أما برشلونة، فقد شهدت بدورها تجمعين متزامنين يعكسان عمق الانقسام حول ملف الهجرة؛ إذ شارك نحو 1500 شخص في تجمع احتجاجي بساحة سانت خاومي، في الوقت الذي شارك فيه حوالي 700 شخص في تجمع مناهض للعنصرية والفاشية، بينما تولت قوات الشرطة الكتالونية الفصل بين الطرفين.
وتزامنت هذه التعبئة مع نشر تقرير للشرطة الإسبانية حول ظروف أزمة سبتة، تضمن معطيات أثارت بدورها نقاشاً واسعاً بشأن الوضع على الحدود المغربية الإسبانية.
وأشار التقرير إلى أن الانتشار الأمني المغربي على الحدود كان، خلال الفترة المعنية، ( أقل بشكل ملحوظ من المعتاد ) ، كما تحدث عن ما وصفه بـ«تساهل» مزعوم من جانب بعض عناصر الشرطة المغربية خلال أواخر يوليو.
وتأتي هذه المعطيات في وقت كانت فيه السلطات الإسبانية قد أعلنت أن حوالي 72 ألف شخص عبروا من المغرب في اتجاه سبتة خلال موجة التدفق الجماعي، وهي الأزمة التي وصفت بأنها من أكبر الأزمات التي شهدتها المدينة من حيث حجم الوافدين والخسائر البشرية المرتبطة بها.
وبينما تستمر مدريد في البحث عن تفسير لما جرى وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالأزمة، يبدو أن ملف سبتة تحول إلى قضية سياسية وأمنية داخل إسبانيا، تتقاطع فيها الهجرة مع أمن الحدود والعلاقات مع المغرب.
واللافت أن الاحتجاجات لم تعد مجرد رد فعل على أحداث يوليو، بل بدأت تأخذ طابعاً سياسياً أوسع، مع دخول اسم بيدرو سانشيز مباشرة إلى دائرة المطالب، وارتفاع الأصوات التي تطالب الحكومة بتقديم إجابات بشأن طريقة تعاملها مع واحدة من أكثر الأزمات حساسية على الحدود الإسبانية.
وهكذا، وبعد أسابيع من هدوء الحدود، عاد ملف سبتة إلى الواجهة، لكن هذه المرة من خلال موجة غضب داخل المدن الإسبانية نفسها، وسط أسئلة متزايدة حول ما حدث فعلاً خلال أزمة يوليو، ومن يتحمل مسؤولية تداعياتها.
03/09/2026