في خطوة قد ترسم ملامح جديدة لمستقبل النقل البحري، وتعيد الرياح إلى واجهة دفع السفن ولكن بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، تستعد شركة الشحن الدنماركية العملاقة “ميرسك” لخوض تجربة غير مسبوقة، عبر تركيب شراع دوار ضخم على إحدى سفن الحاويات التابعة لأسطولها، بهدف تقليص استهلاك الوقود وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
وتعتزم “ميرسك”، في منتصف سنة 2027، تركيب دوّار بارتفاع 35 متراً وقطر خمسة أمتار على سفينة من فئة “ميرسك ليما”، تبلغ قدرتها الاستيعابية نحو 8700 حاوية، في تجربة ستكون الأولى من نوعها على متن سفينة مخصصة لنقل الحاويات.
وتراهن الشركة الدنماركية، التي تعد من أبرز الشركات العاملة في محطة الحاويات التابعة لشركة “إيه بي إم تيرمينالز” بميناء الجزيرة الخضراء، على قوة الرياح كمصدر مساعد للدفع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والأوروبية على شركات النقل البحري من أجل تقليص استهلاك الوقود والحد من الانبعاثات.
وقد أُسند المشروع إلى الشركة البريطانية “أنيموي مارين تكنولوجيز”، المتخصصة في أنظمة الدفع المساعدة بالرياح، والتي ستتولى تصنيع الدوّار والمشاركة في أعمال الهندسة والتركيب ودمج النظام داخل السفينة. ولم تكشف “ميرسك” رسمياً، حتى الآن، عن اسم السفينة التي ستخضع للتجربة، لكنها كشفت عن عدد من التفاصيل المهمة بشأن المشروع.
واللافت أن الأمر لا يتعلق بشراع تقليدي كما عرفته السفن القديمة، وإنما بتكنولوجيا متطورة تعتمد على أسطوانة عمودية ضخمة تدور حول محورها، مستفيدة من ظاهرة فيزيائية تعرف بـ”تأثير ماغنوس”، لتوليد قوة هوائية تساعد السفينة على الحركة.
وعندما تكون ظروف الرياح مواتية، يمكن لهذا النظام توفير جزء من قوة الدفع اللازمة للحفاظ على سرعة السفينة واتجاهها، ما يسمح بتقليل الاعتماد على المحركات الرئيسية، وبالتالي خفض استهلاك الوقود والانبعاثات الناتجة عن الرحلات البحرية.
وتكتسب التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى ضخامة الدوّار الذي سيصل ارتفاعه إلى 35 متراً، في وقت تمثل فيه المساحات المتاحة على سفن الحاويات تحدياً كبيراً بسبب صفوف الحاويات والرافعات والمعدات المستخدمة في عمليات الشحن والتفريغ بالموانئ.
وتشير التصاميم التي نشرتها “ميرسك” إلى إمكانية وضع الدوّار في مقدمة السفينة، حيث سيحتل مساحة محدودة نسبياً مقارنة بحجم السفينة، من دون أن يتسبب في تعطيل عمليات تحميل وتفريغ الحاويات.
والأكثر إثارة أن السفينة التي ستحتضن هذه التجربة لن تكون مخصصة للاختبارات فقط، بل ستواصل رحلاتها التجارية بشكل طبيعي، ما سيسمح لـ”ميرسك” بجمع بيانات حقيقية حول أداء هذه التكنولوجيا في عرض البحر، بعيداً عن المحاكاة الحاسوبية وظروف المختبرات.
وتقدر شركة “أنيموي” أن كل شراع دوار يمكن أن يوفر نحو طن واحد من الوقود يومياً، مع تفادي انبعاث حوالي ثلاثة أطنان من ثاني أكسيد الكربون يومياً لكل شراع، علماً بأن هذه الأنظمة يمكن تركيبها في مجموعات تضم عادةً عدة دوّارات.
وستكون مياه المحيط الأطلسي مسرحاً رئيسياً لهذه التجربة، حيث ستعمل السفينة على خطوط الملاحة في شمال وجنوب الأطلسي، ما سيمكن المهندسين من اختبار التكنولوجيا خلال رحلات طويلة وفي ظل ظروف جوية ورياح مختلفة.
وتسعى “ميرسك” من خلال هذه التجربة إلى معرفة ما إذا كان الدفع المساعد بالرياح يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى حل عملي على نطاق واسع في قطاع نقل الحاويات، خصوصاً أن تقنيات مشابهة بدأت تجد طريقها بالفعل إلى سفن الشحن السائب وناقلات النفط، التي تتميز بأسطح أكثر انفتاحاً وأقل ازدحاماً بالحاويات.
وتأتي هذه الخطوة في سياق سباق عالمي متسارع لتطوير سفن أقل استهلاكاً للوقود وأكثر احتراماً للبيئة، خصوصاً مع تشديد القواعد الأوروبية المرتبطة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب نظام تداول حقوق الانبعاثات المعروف اختصاراً بـ”إي تي إس”.
وبذلك، تبدو “ميرسك” أمام تجربة تجمع بين تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين وقوة الرياح التي رافقت السفن منذ قرون، في محاولة لإعادة الرياح إلى قلب الملاحة البحرية، ولكن هذه المرة عبر شراع عملاق يدور حول نفسه فوق سفينة حاويات حديثة.
وفي الأفق القريب، قد تحمل هذه الثورة البحرية مفاجأة أخرى للواجهة المتوسطية. فمع توسع شبكة الخطوط البحرية واشتداد المنافسة بين الموانئ الكبرى، يبرز ميناء الناظور غرب المتوسط كأحد المشاريع التي قد تستقبل مستقبلاً سفناً من هذا الجيل الجديد.
وإذا وصلت هذه التكنولوجيا إلى مياهه، فقد يكون المشهد لافتاً: سفن حاويات عملاقة تعبر المتوسط مدفوعة جزئياً بقوة الرياح، في صورة تختزل انتقال الملاحة من عصر الاعتماد الكبير على الوقود إلى عصر أكثر نظافة واستدامة. فهل يكون الناظور غرب المتوسط، في الأفق القريب، شاهداً على لحظة عودة الرياح إلى دفع السفن العملاقة؟
04/09/2026