كان يفترض أن تكون تدوينة سعيد الرحموني، رئيس المجلس الإقليمي للناظور، مجرد توضيح مقتضب ينهي الجدل الذي رافق ما راج بشأن استقالته من حزب التجمع الوطني للأحرار، لكن يبدو أن “التوضيح السياسي” في زمن مواقع التواصل لم يعد يحتاج إلى جملة واحدة، بل إلى رواية كاملة، وهوامش، وإشارات جانبية، وعلاقات سياسية وشخصية… وربما محضر رسمي حتى يقتنع الجميع بأن الاستقالة لم تقع أصلا.
الرحموني يقول بوضوح إنه لم يستقل، وإنه ما يزال مرتبطا بحزبه ومؤسساته وهياكله. وهذه مسألة يمكن حسمها ببساطة عبر المعطيات الرسمية، دون الحاجة إلى كل هذا السجال. غير أن التدوينة، بدل أن تغلق الباب أمام التأويلات، فتحت أبوابا أخرى حين ربطت الموضوع بعلاقات حزبية وشخصية، وبترشح ابنته كوكيلة للائحة الجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبأسماء وازنة داخل المشهد السياسي المحلي.
وهنا تحديدا يبدأ الجزء الأكثر إثارة في الحكاية. فإذا كان ترشح الابنة اختيارا سياسيا وشخصيا مستقلا، كما تؤكد التدوينة، فلماذا احتل هذا الموضوع كل هذه المساحة في بيان يقول صاحبه إنه جاء أساسا لوضع حد للتأويلات؟ أليس النفي المباشر كافيا؟ “لم أستقل، وما زلت مناضلا في الحزب”… وتنتهي الحكاية قبل أن تبدأ شارة النهاية.
لكن يبدو أن السياسة المحلية لها منطقها الخاص. ففيها قد تأتي التدوينة التي يفترض أن تطفئ الشرارة محملة بعلبة كبريت كاملة، ثم تطلب من الجمهور ألا يتساءل عن مصدر الدخان.
والأكثر دلالة أن رئيس المجلس الإقليمي لم يكتف بتأكيد استمراره داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بل اختار أيضا استحضار علاقاته مع قيادات ووجوه حزبية، وفي مقدمتها الأستاذ عبد القادر سلامة، بصياغة تحمل، على مستوى الخطاب، رسائل تتجاوز مجرد تصحيح معلومة. وهنا تنتقل التدوينة من خانة “التوضيح” إلى ما يشبه رسم خريطة للعلاقات والتموقعات داخل المشهد السياسي الناظوري.
والسؤال السياسي هنا ليس فقط: هل استقال الرحموني أم لم يستقل؟ فهذه مسألة قابلة للتحقق. السؤال الأهم هو: لماذا احتاج نفي الاستقالة إلى كل هذا الشرح السياسي؟ ولماذا أصبحت مسألة ترشح الابنة موضوعا مركزيا في توضيح يفترض أنه يتعلق أساسا بالانتماء الحزبي للأب؟
ثم إن تحميل صفحات التواصل الاجتماعي مسؤولية “التأويلات” لا يلغي حقيقة سياسية بسيطة: عندما يختار المنتخب أو المسؤول السياسي مخاطبة الرأي العام، فإن كلماته تصبح بطبيعتها مادة للنقاش والقراءة والتحليل. قد تكون بعض التأويلات غير دقيقة، وقد تكون بعض الأخبار المتداولة بلا أساس، لكن الرد الأكثر حسما يظل هو تقديم الوقائع القابلة للتحقق، بدل إغراقها بسلسلة طويلة من التفسيرات.
التدوينة تقول إن تكرار الإشاعة لا يجعلها حقيقة، وهذا صحيح. لكن، في المقابل، كثرة النفي لا تجعل النقاش يختفي تلقائيا. ففي السياسة المحلية، التفاصيل الصغيرة قد تتحول إلى عناوين كبيرة، والجملة التي يراد لها أن تكون خاتمة قد تصبح، بفعل طريقة صياغتها، مقدمة لأسئلة جديدة.
واللافت أيضا أن التدوينة تتحدث عن “أخبار وادعاءات” متداولة، لكنها لا تمنح القارئ صورة واضحة عن مصدرها أو طبيعتها أو توقيتها، ولا تحدد بدقة ما الذي استدعى كل هذا الرد. وهنا تظهر مفارقة أخرى: إذا كان الهدف هو إسقاط رواية محددة، فإن تحديدها والرد عليها بالوقائع كان سيجعل الرسالة أكثر حسما وأقل قابلية للتأويل.
في السياسة، لا تكفي النوايا المعلنة للتدوينة، بل تهم أيضا الطريقة التي تصل بها الرسالة إلى الجمهور. وقد يكون المقصود هو إغلاق النقاش، لكن كثرة التفاصيل قد تجعل القارئ يطرح أسئلة إضافية بدل أن يجد جوابا نهائيا.
وفي النهاية، نجح الرحموني في تثبيت رسالة أساسية مفادها أنه ينفي الاستقالة ويتمسك بانتمائه إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، لكن الطريقة التي صيغ بها التوضيح جعلت القارئ أمام تفاصيل أكثر مما كان أمامه قبل نشره. وهنا تكمن المفارقة السياسية: تدوينة جاءت لوضع حد للتأويلات، فإذا بها تمنح التأويلات مادة إضافية للنقاش.
لقد قيل إن الهدف هو إغلاق الملف… لكن الملفات السياسية، خصوصا في الناظور، لا تغلق بمجرد وضع عنوان “توضيح” فوقها. فالسياسة ليست فقط ما يقوله السياسي، وإنما أيضا ما تتركه كلماته من أسئلة في ذهن المتلقي.
وهكذا، خرجت التدوينة لتقول إن الاستقالة لم تقع، وإن الانتماء الحزبي لم يتغير، وإن ترشح الابنة للاتحاد الاشتراكي هو اختيار شخصي مستقل… لكن يبدو أن صاحب التوضيح نسي، وسط كل هذا الحرص على إغلاق باب التأويل، أن يترك للمتابعين سؤالا انتخابيا يبدو، في هذا التوقيت، أكثر إثارة للاهتمام: وماذا عن الدعم الانتخابي؟
فمع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء، يبقى سؤال مشروع لم تتطرق إليه التدوينة: إذا كان الانتماء إلى التجمع الوطني للأحرار ثابتا، فهل سيعلن صاحب التوضيح موقفه من اللائحة المحلية التي يقودها حليم فوطاط؟ وماذا عن اللائحة الجهوية التي تقودها ابنته؟ أم أن لكل صندوق انتخابي حساباته، ولكل لائحة قصتها، ولكل صوت طريقته الخاصة في الوصول إلى الصندوق؟
ربما كان ينقص التوضيح سطر صغير، لا أكثر: “الاستقالة لم تقع، والانتماء لم يتغير”… ثم يضاف في الهامش، حتى لا يبقى النقاش مفتوحا: أما الدعم الانتخابي يوم الأربعاء، فذلك فصل آخر لم يُكتب بعد!
وهنا تصبح المفارقة أكثر طرافة: تدوينة قيل إنها جاءت لوضع حد للأسئلة، فإذا بها تجيب عن سؤال وتترك وراءها أسئلة أخرى؛ تنفي الاستقالة، لكنها لا تتناول بالوضوح نفسه مسألة الدعم الانتخابي. وكأن الستار أُسدل رسميا… لكن الأضواء بقيت مشتعلة، والجمهور ما زال ينتظر الفصل الأخير: من سيدعم من؟
16/09/2026