يبدو أن هاجس الحدود في سبتة المحتلة لم يعد يتوقف عند الأسلاك والحواجز البرية، بعدما قررت الحكومة الإسبانية نقل جزء من منظومتها الأمنية إلى البحر، عبر مشروع جديد تصل كلفته إلى 9 ملايين يورو. ويقضي المشروع بتمديد رصيف “التراخال” بنحو 115 متراً داخل البحر، إلى جانب تركيب شبكة بحرية عالية المقاومة تمتد إلى قاعه، في خطوة تكشف اتساع المقاربة الأمنية الإسبانية للحدود المحيطة بالمدينة المحتلة.
وبحسب موقع متخصص في شؤون الدفاع والأمن، شرعت وزارة الداخلية الإسبانية في الإجراءات اللازمة لتنفيذ المشروع على مرحلتين، بكلفة تقارب 7 ملايين يورو لتمديد الرصيف، ومليوني يورو إضافيين لإقامة نظام دائم من العوامات وشبكة احتواء بحرية. والغاية المعلنة هي تعزيز قدرة المنظومة على منع العبور عبر البحر، بما في ذلك محاولات المرور تحت سطح الماء. وكأن الحدود لم تعد تكتفي بأن تكون مرئية فوق اليابسة، بل أصبح مطلوباً منها أن تلاحق العابر حتى في الأعماق.
المرحلة الأولى ستضيف 15 متراً إلى الرصيف عبر ثلاثة مقاطع إنشائية، فيما تضيف المرحلة الثانية 100 متر أخرى بواسطة حاجز بحري عمودي، لتصل الزيادة الإجمالية إلى 115 متراً. كما تتضمن المنشأة سياجاً مضاداً للتسلق مزوداً بأمشاط منحنية إلى الداخل، بما يعزز الطابع التحصيني للمنشأة، ويحوّل الواجهة البحرية لسبتة المحتلة إلى امتداد جديد لمنظومة الحواجز التي تحيط بها.
لكن مدريد لا تكتفي بما هو فوق سطح الماء. فالمشروع يتضمن أيضاً شبكة عالية المقاومة تنزل إلى قاع البحر، في محاولة لسد مسار آخر محتمل للعبور. وهكذا يتسع قاموس “الحماية الحدودية” الإسباني شيئاً فشيئاً: سياج فوق الأرض، وحاجز في البحر، وشبكة في القاع. وإذا استمر المنطق نفسه، فقد لا يكون مستغرباً أن تحتاج السلطات الإسبانية مستقبلاً إلى مشروع جديد لحماية الحدود من الأعماق أكثر مما تحتاجه من الموج.
ويأتي المشروع في أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة نهاية يوليوز، والتي دفعت وزارة الداخلية الإسبانية خلال غشت إلى نشر حاجز عائم مؤقت وعوامات احتواء عند رصيف “التراخال”. وما كان إجراءً استعجالياً عقب الأزمة يتجه الآن إلى التحول إلى منظومة أكثر استدامة، تجمع بين تمديد المنشأة البحرية والسياج العلوي والحاجز الممتد نحو قاع البحر.
كما تربط وزارة الداخلية الإسبانية المشروع بحكم المحكمة العليا الصادر في 8 يوليوز، والمتعلق بشروط تطبيق الرفض عند الحدود في سبتة ومليلية المحتلتين. ومن هذه الزاوية، تبدو البنية التحتية الجديدة جزءاً من محاولة توفير عناصر مادية إضافية لتعزيز مراقبة الحدود البحرية، بعدما أظهرت أزمة يوليوز أن الحواجز البرية وحدها لا تكفي، وفق المقاربة التي تعتمدها السلطات الإسبانية.
ويأتي ذلك كله في سياق أمني أوسع. فالحكومة الإسبانية أقرت في بداية شتنبر خطة لسبتة المحتلة بقيمة 90 مليون يورو مخصصة للأمن، إلى جانب 74 مليون يورو إضافية لوزارة الدفاع والقوات المسلحة بسبب الانتشار الاستثنائي خلال الأزمة. كما تعمل وزارة الداخلية على تجهيز أنظمة أخرى للمراقبة الحدودية، من بينها نظام الدخول والخروج الأوروبي “EES” في معبر التراخال، بكلفة مباشرة تناهز 7.45 ملايين يورو.
ومنذ عام 2019، تشير المعطيات الواردة في المصدر الإسباني إلى أن وزارة الداخلية استثمرت أكثر من 37 مليون يورو في تحديث محيط سبتة المحتلة ومعابرها الحدودية. غير أن مسلسل التحصين يبدو مفتوحاً، بعدما انتقلت الاستثمارات من البر إلى البحر، وأصبح قاعه نفسه جزءاً من الحسابات الأمنية الإسبانية. إنها منظومة تتوسع كلما ظهرت ثغرة جديدة، فيما تتراكم معها الخرسانة والأسلاك والعوامات والشبكات.
المفارقة التي تستحق التوقف عندها أن كل هذه الاستثمارات لا تستطيع تغيير حقيقة جغرافية بسيطة: سبتة المحتلة تقع في شمال المغرب، وموقعها الجغرافي يفرض طبيعة العلاقة مع محيطها المغربي. أما تحويل هذا الواقع إلى منظومة متشعبة من الحواجز والتحصينات، فهو خيار أمني وسياسي إسباني تتزايد كلفته كلما اتسعت دائرة المخاوف المرتبطة بالحدود والهجرة.
ويبقى مشروع الـ9 ملايين يورو لا يروي فقط قصة رصيف سيطول بـ115 متراً، بل يكشف أيضاً إلى أي حد أصبحت الحدود البحرية جزءاً من منظومة التحصين الإسباني في سبتة المحتلة. من الأسلاك إلى العوامات، ومن الرصيف إلى الشبكة الممتدة نحو القاع، تبدو مدريد وكأنها تبحث عن حاجز إضافي يطمئنها إلى أن حدود المدينة “مؤمّنة”. غير أن كثرة الحواجز لا تلغي الجغرافيا، كما أن الإسمنت، مهما امتد داخل البحر، لا يستطيع أن يعيد كتابة التاريخ.
22/09/2026