في تطور قضائي يعيد ملف حادثة بارباتي إلى الواجهة، دخل المغرب على خط القضية التي هزت إسبانيا في فبراير 2024، بعدما طلبت الرباط تسليم كريم البقالي، المتهم بقيادة زورق المخدرات الذي اصطدم بقارب للحرس المدني الإسباني، وأسفر الحادث عن مقتل عنصرين من الحرس المدني، ميغيل أنخيل غونزاليس غوميز ودافيد بيريز كارّيسيدو.
ويكتسي المكان أهمية خاصة في فهم القضية، فبارباتي بلدة ساحلية تقع في جنوب إسبانيا، بإقليم قادس في منطقة الأندلس، وتطل على واحد من أكثر المحاور البحرية حساسية في جنوب البلاد، ما جعل الحادث يتحول إلى قضية أمنية وقضائية أثارت اهتماما واسعا داخل إسبانيا.
ويأتي الطلب المغربي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تستعد العدالة الإسبانية لمواصلة إجراءات محاكمة البقالي على خلفية الحادث، فيما توجد في المغرب قضية أخرى مرتبطة به في ملف الاتجار بالمخدرات، سبق أن ارتبطت بمذكرة بحث دولية عبر الإنتربول. وبذلك يجد الرجل نفسه أمام مسارين قضائيين منفصلين، أحدهما في المغرب والآخر في إسبانيا.
لكن اللافت في التعاطي الإسباني مع الطلب المغربي هو أن بعض الأصوات تتعامل معه وكأنه محاولة لسحب الملف من القضاء الإسباني، بينما المعطى الأساسي هو أن الرباط تقدمت بطلب تسليم عبر المسار القضائي، وأن القرار النهائي بشأنه يعود إلى المحكمة الوطنية الإسبانية، وليس إلى التصريحات الإعلامية أو المواقف النقابية.
وهنا تحديدا تظهر المفارقة في الخطاب الإسباني. فحين يتعلق الأمر بمواطن مغربي مطلوب في قضية قضائية بالمغرب، تتحول مطالبة الرباط إلى مادة للاحتجاج والتشكيك، بينما يفترض منطق التعاون القضائي الدولي أن تدرس كل دولة الطلبات المقدمة إليها وفق قوانينها واتفاقياتها، بعيدا عن الانفعال السياسي أو الإعلامي.
الجمعية الموحدة للحرس المدني، التي تشارك في القضية بصفتها اتهاما شعبيا، هاجمت الطلب المغربي، معتبرة أن الأولوية هي “العدالة هنا”، كما انتقدت ما وصفته بوجود اهتمام مغربي باستعادة أحد مواطنيه في هذا الملف. غير أن هذا الموقف يظل موقف جهة إسبانية طرفا في المسار القضائي، ولا يمكن تقديمه باعتباره توصيفا محايدا للطلب المغربي أو حكما مسبقا على مآله.
والأهم أن المغرب لا يطلب من القضاء الإسباني إصدار حكم لصالح البقالي، ولا يطالب بإلغاء القضية المتعلقة بحادث بارباتي، وإنما يطالب بتسليمه بسبب قضية أخرى مفتوحة في المغرب. أما تحديد ما إذا كانت شروط التسليم متوفرة أم لا، فذلك اختصاص القضاء الإسباني وحده.
البقالي، الذي يوجد رهن الاعتقال الاحتياطي في إسبانيا منذ عودته إليها في شتنبر 2024 بعد أشهر قضاها مختبئا في المغرب، أقر بأنه كان يقود الزورق، لكنه قال إن الاصطدام كان عرضيا. في المقابل، تقول التحقيقات الإسبانية إن الزورق كان يتجه بسرعة نحو قارب الحرس المدني، وإن المناورة كانت متعمدة، وهي رواية تستند، بحسب التحقيقات، إلى تسجيلات كاميرات مثبتة على أجساد عناصر الشرطة وغيرها من الأدلة.
وتتحدث القضية عن زورق سريع يبلغ طوله نحو 13 مترا ومجهزا بأربعة محركات بقوة 300 حصان لكل منها، في مواجهة قارب للحرس المدني يقل طوله عن خمسة أمتار وكان على متنه ستة عناصر. وهي معطيات تجعل الملف شديد الحساسية بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسبانية، لكنها لا تلغي، في المقابل، أن تحديد المسؤولية الجنائية النهائية يبقى من اختصاص القضاء، بناء على الأدلة المقدمة أمامه.
ومن زاوية أخرى، فإن تحويل الطلب المغربي إلى مواجهة بين “العدالة الإسبانية” و”المغرب” يتجاهل أن القضية نفسها أصبحت ذات بعد قضائي عابر للحدود. فالمتهم مواطن مغربي، وهناك ملف قضائي مفتوح في المغرب، وفي المقابل توجد قضية جنائية في إسبانيا مرتبطة بحادث بارباتي. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، وإنما أي مسار قانوني تنطبق عليه شروط التسليم، وكيف ستتعامل معه المحكمة المختصة.
كما أن وصف الطلب المغربي بأنه محاولة لاستباق العدالة الإسبانية يحتاج إلى تدقيق؛ لأن مجرد تقديم طلب تسليم لا يعني إدانة المتهم في القضية الإسبانية، ولا يعني أيضا إعفاءه من المسؤولية إن ثبتت بحقه أمام القضاء. إنها، ببساطة، مطالبة قضائية ينبغي أن تخضع للفحص القانوني.
وبينما تستعد المحكمة الوطنية الإسبانية للنظر في الطلب المغربي، يبقى كريم البقالي في قلب ملفين قضائيين، أحدهما في إسبانيا على خلفية حادث بارباتي، والآخر في المغرب على خلفية قضية الاتجار بالمخدرات. وبينما ترفع بعض الأصوات الإسبانية شعار “العدالة هنا”، يبقى الرد الحاسم في نهاية المطاف بيد القضاء، لا البيانات الغاضبة ولا السجالات الإعلامية.
وهكذا تحولت بارباتي، البلدة الساحلية الواقعة في جنوب إسبانيا، من مسرح لحادث أمني إلى نقطة تقاطع بين القضاء الإسباني والقضاء المغربي، في قضية تكشف أن الملفات العابرة للحدود لا يمكن اختزالها في خطاب انفعالي أو في محاولة تصوير كل طلب قضائي مغربي باعتباره تحديا لإسبانيا. فالملف الآن أمام القضاء، والكلمة الأخيرة يفترض أن تكون للقانون.
22/09/2026