لا يتعلق السباق الأوروبي الجاري لتطوير صاروخ قادر على اعتراض الأسلحة فرط الصوتية بمجرد مشروع تقني جديد، بل يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الأمن الأوروبي، حيث تنتقل القارة تدريجياً من الاعتماد على منظومات جاهزة إلى محاولة امتلاك التكنولوجيا التي تسمح لها باكتشاف التهديدات الجوية الأكثر تطوراً واعتراضها. وفي قلب هذا التحول تضع إسبانيا ثقلها الصناعي والتكنولوجي خلف مشروع “المعترض الأوروبي للدفاع ضد الصواريخ فرط الصوتية”، المعروف اختصاراً بـ”هايدف” (HYDEF)، وهو ما يمنح المشروع بعداً يتجاوز حدود القارة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمدخل الغربي للمتوسط.
المشروع تقوده “شركة أنظمة الصواريخ الإسبانية” (إس إم إس)، فيما تتولى شركة “ديل للدفاع” الألمانية القيادة التقنية، وتشارك فيه خمس دول أوروبية هي إسبانيا وألمانيا وبلجيكا والنرويج وبولندا، ضمن برنامج تصل ميزانيته إلى 110 ملايين يورو، بينها 100 مليون يورو من الصندوق الأوروبي للدفاع. وقد بلغ المشروع في غشت 2026 مرحلة متقدمة من دراسة الجدوى ونضج التقنيات الحرجة، مع توجه نحو تطوير نموذج أكثر نضجاً في المراحل المقبلة.
وهنا تبرز أهمية الموقع الإسباني بالنسبة للمغرب. فإسبانيا لا توجد على هامش المجال المتوسطي، بل تشكل مع المغرب ضفتي البوابة الغربية للبحر المتوسط، فيما يربطهما مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ولذلك فإن أي تحول كبير في القدرات الإسبانية المتعلقة بالدفاع الجوي والصاروخي، حتى عندما يكون جزءاً من برنامج أوروبي، يندرج بالضرورة ضمن بيئة أمنية وجغرافية يكون فيها المغرب طرفاً رئيسياً بحكم الموقع والتداخل الاقتصادي والأمني والعسكري بين البلدين.
لكن هذا الربط لا يعني أن “هايدف” مشروع موجه ضد المملكة المغربية. فالمصادر الرسمية الأوروبية تصف البرنامج بأنه مشروع للدفاع ضد تهديدات فرط صوتية ومركبات انزلاقية عالية المناورة وصواريخ باليستية قابلة للمناورة، في إطار تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية. كما أن اتفاق التعاون الدفاعي بين المغرب وإسبانيا ينص منذ عقود على التعاون وتبادل المعلومات والتدريب، بل ويفتح المجال أمام برامج مشتركة للبحث والتطوير وإنتاج أنظمة الأسلحة والعتاد الدفاعي.
ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب المسألة المغربية أهمية جيوسياسية مختلفة: فالمغرب ليس مجرد دولة تقع جنوب إسبانيا، بل يوجد في نقطة التقاء بين المجال الأطلسي والمتوسطي، وبين أوروبا وإفريقيا، وبين مضيق جبل طارق والطرق البحرية والتجارية الكبرى. وبالتالي فإن تطور التكنولوجيا الدفاعية الإسبانية والأوروبية في مجال اكتشاف واعتراض التهديدات الجوية بعيدة المدى سيؤثر في البيئة الأمنية التي يتحرك فيها المغرب، حتى من دون أن يكون المغرب طرفاً في برنامج “هايدف”.
والأهم أن المشروع الإسباني يأتي في مرحلة تتجه فيها أوروبا إلى تعزيز “الاستقلالية الاستراتيجية” في الصناعات الدفاعية. فبرنامج “هايدف” يستهدف تطوير منظومة اعتراض أوروبية قادرة على التعامل مع تهديدات مستقبلية، ويعتمد على تقنيات متقدمة في الدفع والديناميكا الهوائية والتوجيه وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم. وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن نجاح المشروع يمنح صناعتها الدفاعية موقعاً أكثر أهمية داخل السلسلة الأوروبية الجديدة، بينما يضع المغرب أمام واقع أمني جديد في جواره الشمالي: أوروبا لا تكتفي بشراء المنظومات الدفاعية، بل تريد أن تصبح منتجاً ومطوراً لها.
وفي المقابل، فإن التعاون المغربي الإسباني في المجال الدفاعي يمنح هذه التطورات بعداً آخر. فالمغرب وإسبانيا لديهما إطار رسمي للتعاون العسكري يشمل التكوين والتدريب والمناورات وتبادل الخبرات، كما يتضمن إمكانية التعاون في البحث والتطوير وإنتاج معدات دفاعية. وفي مارس 2026، ناقشت اللجنة العسكرية المشتركة بين البلدين برامج التعاون والتدريب والتنسيق العملياتي، مع بحث مجالات جديدة مرتبطة بالتحديات الأمنية الناشئة في غرب المتوسط.
وهنا قد يصبح السؤال الحقيقي بالنسبة إلى الرباط ليس ما إذا كان “هايدف” موجهاً إليها، وإنما كيف ستتعامل المملكة مع التحول التكنولوجي الجاري على الضفة الشمالية للمتوسط. فالمغرب الذي يطور بدوره قدراته العسكرية والصناعية، ويعزز شراكاته مع قوى دولية متعددة، يجد نفسه أمام فضاء أمني تتسارع فيه تقنيات الرصد الجوي والصاروخي والدفاع متعدد الطبقات. ومن ثم فإن متابعة هذه المشاريع الأوروبية تكتسب أهمية بالنسبة إلى أي تصور مغربي طويل المدى للأمن الجوي وحماية المجال الوطني والبنية التحتية الاستراتيجية.
كما أن البعد الأطلسي يجعل المعادلة أكثر اتساعاً. فالمغرب وإسبانيا لا يطلان فقط على المتوسط، وإنما يتحركان على جانبي منطقة تصل بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. ومع تصاعد أهمية الموانئ والممرات البحرية والبنى التحتية الاستراتيجية، يصبح التفوق في الاستشعار والإنذار المبكر والدفاع الجوي جزءاً من منظومة أمنية أوسع من مجرد حماية المجال الجوي.
ومن هنا يمكن قراءة المشروع الإسباني باعتباره إحدى حلقات إعادة تشكيل الخريطة الأمنية الأوروبية حول المتوسط. فإذا نجحت إسبانيا في الحفاظ على موقع قيادي داخل مشروع “هايدف”، فإن مدريد ستضيف إلى وزنها السياسي والعسكري ورقة صناعية وتكنولوجية جديدة، في وقت تتجه فيه أوروبا إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً. أما المغرب، بحكم موقعه وعلاقاته المتعددة مع أوروبا والولايات المتحدة وشركائه الأفارقة والعرب، فسيكون معنياً بشكل مباشر بمراقبة هذا التحول وتداعياته على التوازنات الاستراتيجية في غرب المتوسط.
وفي النهاية، فإن قصة “هايدف” ليست قصة صاروخ إسباني فقط، ولا قصة منافسة صناعية أوروبية بين مشروعين. إنها جزء من سباق أكبر على التكنولوجيا التي ستحدد شكل الدفاع والردع في فضاء يمتد من أوروبا إلى المتوسط والأطلسي. وفي هذه الخريطة، لا يوجد المغرب خارج المعادلة؛ فهو يوجد جغرافياً واستراتيجياً في قلب البوابة التي تتحرك عبرها المصالح الأوروبية نحو إفريقيا، وتتحرك عبرها المصالح الإفريقية والمتوسطية نحو أوروبا. ولذلك فإن السؤال بالنسبة إلى الرباط لا ينبغي أن يكون فقط: من سيقود درع أوروبا ضد الصواريخ فرط الصوتية؟ بل أيضاً: كيف سيعيد هذا الدرع رسم البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمغرب خلال العقد المقبل؟
23/09/2026