يبدو أن سياسة تبادل الرسائل عبر الاستعراض العسكري قد ترسخت على جانبي مضيق جبل طارق، فبينما تجري إسبانيا مناورات عسكرية تحت اسم “إيغل آي” قبالة سواحل مالقة، بمشاركة ست مقاتلات من طراز “إف-18” وفرقاطة، تحركت مقاتلات “إف-16” المغربية انطلاقاً من مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة، في طلعات جوية لافتة على مقربة من ثغر مليلية المحتلة.
وحسب مصادر إسبانية، جرى يوم الاثنين الماضي تصوير الطائرات المغربية وهي تحلق على ارتفاع منخفض في منطقة تقع قبالة المكان الذي تجري فيه المناورات الإسبانية. وهنا تبدأ القصة التي تحاول بعض القراءات الإسبانية تقديمها باعتبارها مشهداً عسكرياً مقلقاً، بينما تكشف تفاصيلها أن الأمر يتعلق أساساً بتحركات متبادلة في فضاء جغرافي شديد الحساسية، حيث لا تتحرك الطائرات والسفن بعيداً عن حسابات الطرف الآخر.
وتعتبر مصادر عسكرية نقلت عنها صحيفة “ذي أوبجكتيف” أن المغرب وإسبانيا يبعثان برسائل متبادلة من خلال إظهار قوتهما العسكرية في منطقة بحر البوران، مشيرة إلى أن مثل هذه التحركات المغربية تكون معتادة عندما يشهد مضيق جبل طارق مناورات عسكرية إسبانية واسعة. وبعبارة أخرى، فإن الطائرة المغربية التي تظهر في السماء لا تأتي من فراغ، كما أن المقاتلات الإسبانية التي تملأ سماء الجنوب ليست مجرد طائرات عابرة في مشهد سياحي فوق المتوسط.
ونفذت مقاتلات “إف-16” المغربية، التي حصل عليها المغرب من الولايات المتحدة، سلسلة من التحركات في مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة، الذي وصفته الصحيفة الإسبانية بأنه مطار مدني يشهد نشاطاً محدوداً نسبياً، ولا يُعتاد فيه ظهور مقاتلات تابعة للقوات الجوية الملكية المغربية، وإن كان بالإمكان استخدامه من طرف الطائرات العسكرية. ولعل المفارقة هنا أن مجرد ظهور مقاتلات مغربية في مطار مدني مغربي يبدو، في بعض القراءات، كأنه حدث استثنائي يستوجب الكثير من علامات التعجب، بينما تُقدَّم المناورات العسكرية الإسبانية الواسعة في المنطقة باعتبارها إجراءً اعتيادياً للدفاع والمراقبة.
وقد تابع هواة الطيران المغاربة هذه التحركات، وتحدثوا عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن تدريبات من نوع “تاتش أند غو”، حيث تلامس الطائرة مدرج الهبوط ثم تعاود الإقلاع من دون توقف، بالتزامن مع طلعات على ارتفاع منخفض. وهي تفاصيل تقنية في ظاهرها، لكنها اكتسبت بعداً سياسياً وإعلامياً بمجرد ربطها بالمناورات الإسبانية الجارية في الجهة المقابلة.
وهكذا، وبينما كانت مدريد تنشر مقاتلاتها وتفعّل منظومات الرصد والدفاع الجوي في الجنوب، كان المغرب يتحرك من مجاله الجوي. ولا تحتاج هذه الصورة إلى كثير من المبالغة حتى تبدو الرسالة واضحة: كل طرف يراقب محيطه، وكل تحرك عسكري في هذه المنطقة يجد صداه سريعاً في الضفة الأخرى. أما محاولة تقديم المشهد وكأنه تحرك أحادي الجانب، فتبدو أقل انسجاماً مع الوقائع التي تسردها المصادر نفسها.
وفي هذا السياق، تداولت مصادر من المغرب معلومات حول مناورات عسكرية مشتركة مفترضة بين مقاتلات “إف-16” المغربية ومقاتلات “رافال” الفرنسية في قاعدة أورانج الجوية الفرنسية تحت اسم “أونيكس 26”. غير أن هذه المناورات لا تظهر، وفق المصدر الإسباني، في الجداول الرسمية للقوات الجوية الفرنسية أو المغربية، ولا تتوفر معطيات رسمية تؤكد وجودها، وهو ما يجعل التعامل معها باعتبارها خبراً مؤكداً أمراً غير دقيق. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن التنافس العسكري لا يحتاج إلى أخبار غير مؤكدة كي يكون قائماً بالفعل.
وتقع منطقة تحليق المقاتلات المغربية، بحسب الرواية الإسبانية، على بعد نحو 40 كيلومتراً من مليلية المحتلة، بمحاذاة خليج الحسيمة، حيث توجد صخرة النكور الخاضعة للإدارة الإسبانية. ومن اللافت أن المسافة الجغرافية القصيرة بين الطرفين تجعل أي نشاط عسكري في المنطقة قابلاً للقراءة السياسية، حتى عندما لا يتضمن بالضرورة أي اختراق للمجال الجوي للطرف الآخر.
وتقول الصحيفة إن وزارة الدفاع الإسبانية عززت وجودها في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف إسبانية مما تصفه الصحيفة باحتمال تحرك مغربي بالتزامن مع الانتخابات التشريعية. وهي قراءة وتقدير تنقلهما الصحافة الإسبانية، ولا ينبغي تحويلهما تلقائياً إلى حقيقة ثابتة، خصوصاً أن المقال نفسه لا يقدم دليلاً علنياً على وجود خطة مغربية من هذا النوع.
وفي المقابل، وعلى بعد نحو 170 كيلومتراً من منطقة الحسيمة، تواصل إسبانيا مناورات “إيغل آي”، التي تقدمها باعتبارها من أكثر المناورات طموحاً في مجال الدفاع الوطني. وتشارك القوات الجوية والفضائية الإسبانية بست مقاتلات “إف-18” تابعة للسرب الجوي الخامس عشر، المنطلق من قاعدة سرقسطة الجوية، والتي تم نشرها في قاعدة مالقة الجوية ضمن منظومة الإنذار والاستجابة السريعة “كيو آر إيه”.
وتفرض هذه المنظومة إبقاء الطائرات في حالة استعداد للإقلاع خلال أقل من 15 دقيقة عند رصد أي مسار جوي مجهول، بما يعزز مراقبة المجال الجوي الإسباني ويرفع مستوى تدريب الأطقم على مهام الشرطة الجوية. وبذلك يتضح أن الحديث لا يتعلق بمناورة رمزية فحسب، بل بمنظومة عسكرية متكاملة تشمل الطيران والرادارات والدفاع الجوي والبحرية.
وتتولى مجموعة القيادة والسيطرة المركزية “غروثيماك”، الموجودة في قاعدة توريخون، المراقبة المستمرة للمجال الجوي، حيث تجمع المعلومات التي ترسلها أجهزة الاستشعار البحرية والبرية، بالاعتماد أساساً على شبكة الرادارات التابعة لأسراب المراقبة الجوية المشاركة، وهي السرب “إيفا 3” في كونستانتينا التابعة لإشبيلية، والسرب “إيفا 9” في موتريل بغرناطة، والسرب “إيفا 11” في ألكالا دي لوس غازوليس بقادس.
وتدار العمليات التكتيكية لهذه المنظومة من مركز العمليات الجوية “إيه أو سي”، الموجود بدوره في توريخون دي أردوز، وهو الجهاز المكلف بتوجيه عمليات مراقبة المجال الجوي الإسباني وحمايته والدفاع عنه، ويعمل بتنسيق وثيق مع سرب المراقبة الجوية في إشبيلية.
ومن جهته، نشر الجيش البري الإسباني في محيط القاعدة الجوية وميناء مالقة وحدة الدفاع المضاد للطائرات “كارتاغو” “يو دي إيه إيه”، المنضوية ضمن قيادة المدفعية المضادة للطائرات “إم إيه إيه إيه”، والتي تتولى مجموعة المدفعية المضادة للطائرات الثانية/73 في قرطاجنة قيادتها، لتوفير مظلة دفاع جوي إضافية في المنطقة.
أما على المستوى البحري، فتشارك البحرية الإسبانية بالفرقاطة “منديز نونييث” “إف-104″، التي تبحر في مياه بحر البوران للمساهمة في منظومة الدفاع الجوي، وتعزيز التغطية الرادارية لوحدات الدفاع المضاد للطائرات ومحطات المراقبة الجوية البرية، إلى جانب توفير قدرات للاستجابة للتهديدات الجوية أو السطحية.
وبين مقاتلات “إف-18” الإسبانية التي تستعرض جاهزيتها في مالقة، ومقاتلات “إف-16” المغربية التي تحلق من الحسيمة، يبدو أن بحر البوران يتحول شيئاً فشيئاً إلى شاشة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية. لكن المفارقة أن بعض الخطاب الإعلامي الإسباني يتعامل مع التحرك المغربي كما لو أن السماء بدأت تتحرك فقط عندما ظهرت فيها المقاتلات المغربية، متناسياً أن المناورات الإسبانية نفسها تجري في المنطقة، وبمشاركة طائرات حربية وسفينة حربية ومنظومات دفاع ورصد متعددة.
والمغرب، في المقابل، لا يحتاج إلى الاقتراب من مليلية المحتلة أو إلى خرق أجواء أحد حتى يكون حاضراً في هذه المعادلة؛ يكفي أن تتحرك مقاتلاته داخل مجاله الجوي، وأن تظهر الحسيمة على خريطة المناورات، حتى يصبح المشهد أكثر تعقيداً من الرواية المبسطة التي تبحث عن طرف يتحرك وطرف يراقب. ففي بحر البوران، المسألة ليست مناورات فوق الماء فقط، بل جغرافيا متلاصقة تجعل كل استعراض للقوة قابلاً لأن يجد استعراضاً مقابلاً.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأوضح من هذه المناورات أن المتوسط لا يحتمل كثيراً من القراءات الأحادية. فحين تحلق “إف-18” في مالقة، ثم تظهر “إف-16” في سماء الحسيمة، لا تعود المسألة مجرد صور لطائرات مقاتلة، بل تتحول إلى اختبار لمدى قدرة كل طرف على قراءة تحركات الآخر من دون تضخيمها أو التقليل منها. وفي سماء بحر البوران، يبدو أن الرسالة الأكثر وضوحاً ليست في صوت محرك المقاتلة، بل في السؤال الذي تتركه خلفها: من قال إن السماء المقابلة لا تراقب؟
23/09/2026