kawalisrif@hotmail.com

من الناظور إلى قلب أوروبا.. المغرب يرسم “كابل الطاقة” متجاوزًا إسبانيا ويطرق أبواب فرنسا مباشرة!

من الناظور إلى قلب أوروبا.. المغرب يرسم “كابل الطاقة” متجاوزًا إسبانيا ويطرق أبواب فرنسا مباشرة!

مرة أخرى، يجد المغرب نفسه في قلب نقاش إسباني حول التحولات المتسارعة في موازين القوة الاقتصادية والاستراتيجية في حوض المتوسط، وهذه المرة من بوابة الطاقة. فقد سلطت صحيفة إسبانية الضوء على مشروع يحمل اسم “قنطرة ميد”، يتضمن، وفق المعطيات التي أوردتها، دراسة مد كابل بحري بطول يقارب 1,400 كيلومتر انطلاقًا من ميناء الناظور في اتجاه فرنسا، لنقل الطاقة المتجددة المغربية مباشرة إلى السوق الأوروبية، من دون المرور عبر الأراضي الإسبانية أو الارتباط بالشبكة الكهربائية للمملكة الإيبيرية.

اللافت في التقرير الإسباني ليس فقط حجم المشروع المقترح، وإنما الطريقة التي حاول بها تقديمه باعتباره تحديًا مباشرًا لإسبانيا، وكأن المغرب مطالب بالحصول على إذن جغرافي من مدريد قبل أن يبحث عن أسواق جديدة لطاقته. والحقيقة أن التطورات التكنولوجية والاقتصادية جعلت البحر نفسه ممرًا للبنية التحتية، وأصبح من الممكن ربط الدول مباشرة عبر الكابلات البحرية. لذلك، فإن اختيار مسار الناظور-فرنسا يمكن قراءته قبل كل شيء باعتباره خيارًا لتنويع المنافذ والأسواق والشركاء، بدل اختزال المشروع في معادلة “المغرب ضد إسبانيا”.

وتزداد أهمية المشروع المقترح عندما يوضع في سياق التحولات التي يعرفها ميناء الناظور والمنطقة المحيطة به. فميناء “الناظور غرب المتوسط” لم يعد مجرد ورش لبناء منشأة مينائية جديدة، بل أصبح جزءًا من رؤية اقتصادية أوسع تستهدف تحويل شمال شرق المغرب إلى منصة صناعية ولوجستية وتجارية مرتبطة بالأسواق المتوسطية والإفريقية والأوروبية. وإذا أضيف إلى هذه المنظومة احتمال إنشاء ممر بحري لنقل الكهرباء، فإن الناظور يبدأ في الانتقال من وظيفة الميناء التقليدي إلى موقع يمكن أن يجمع بين التجارة والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.

وتشير المعطيات التي نقلتها صحيفة إسبانية إلى أن المشروع الجديد سيكون أقصر بكثير من مشروع سابق لشركة “إكس لينكس”، كان يهدف إلى ربط المغرب بالمملكة المتحدة عبر كابل بحري يصل طوله إلى نحو 3,800 كيلومتر. وكان المشروع البريطاني يستهدف قدرة إنتاجية تبلغ 10.5 غيغاواط واستثمارات تقدر بنحو 21.9 مليار جنيه إسترليني، قبل أن تتخلى عنه الشركة عام 2024 بسبب عدم حصولها على الضمانات المطلوبة من الحكومة البريطانية لضمان أسعار الكهرباء على المدى الطويل، ما أظهر صعوبة تمويل مشاريع الطاقة العابرة للحدود عندما تغيب الالتزامات التعاقدية الواضحة.

أما الربط المقترح مع فرنسا، فيختلف من حيث المسافة والوجهة والحسابات الاقتصادية. فالكابل المفترض أن ينطلق من الناظور نحو الساحل الفرنسي سيغطي أقل من 1,500 كيلومتر، أي أقل بكثير من المسار البريطاني السابق، وهو ما قد يجعل تكلفته وتعقيداته التقنية أكثر قابلية للإدارة. كما أن المشروع يعتمد، وفق التقرير، على تقنية “التيار المستمر عالي الجهد”، المعروفة اختصارًا بـ”إتش في دي سي”، والتي تسمح بنقل كميات كبيرة من الكهرباء لمسافات طويلة مع خسائر محدودة، ما يجعلها مناسبة لمشاريع الربط الكهربائي العابرة للبحار.

لكن جوهر المسألة يوجد في الجغرافيا أكثر مما يوجد في التكنولوجيا. فإذا تم تنفيذ مسار مباشر بين الناظور وفرنسا، فإن الكهرباء المغربية ستجد طريقًا إلى السوق الأوروبية لا يمر بالضرورة عبر الشبكة الإسبانية. وهذا تحديدًا هو الجانب الذي منح المشروع كل هذه الأهمية في الخطاب الإسباني، لأن إسبانيا اعتادت أن تشكل إحدى الحلقات الأساسية في الربط بين شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال إفريقيا وأوروبا. غير أن امتلاك المغرب لخيارات إضافية لا يعني بالضرورة إعلان حرب اقتصادية على مدريد، بل يعكس ببساطة انتقال الرباط من منطق الاعتماد على مسار واحد إلى استراتيجية تقوم على تعدد الشركاء والمنافذ.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في الرؤية المغربية الجديدة: عدم وضع الاقتصاد الوطني في سلة واحدة. فالمغرب يطور موانئه، ويوسع قدراته الصناعية واللوجستية، ويستثمر في الطاقات المتجددة، وينفتح على الأسواق الأوروبية والإفريقية، ويعزز شراكاته مع فرنسا ودول أوروبية أخرى. وفي هذا السياق، لا يصبح تصدير الكهرباء مجرد عملية تجارية، بل جزءًا من تحول أوسع يمكن أن يجعل المغرب منتجًا ومصدرًا للطاقة النظيفة بدل أن يبقى مجرد سوق مستوردة لها.

وتعتمد هذه الرؤية على مؤهلات طبيعية يصعب تجاهلها، خصوصًا في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فقد وضع المغرب هدفًا رسميًا يتمثل في بلوغ الطاقات المتجددة 52% من القدرة الكهربائية المركبة بحلول عام 2030، فيما أصبحت مشاريع الطاقة الشمسية والريحية جزءًا أساسيًا من استراتيجيته لتنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. ومن هنا تأتي القيمة المستقبلية لأي مشروع يربط الإنتاج المغربي بالأسواق الأوروبية، لأن أوروبا نفسها تبحث عن مصادر إضافية للطاقة النظيفة في إطار مسار خفض الانبعاثات وتنويع الإمدادات.

أما الحديث الإسباني عن أن المغرب يسعى إلى “تجاوز” إسبانيا، فيحتاج إلى قدر من التوازن. فالمغرب ليس ملزمًا بأن يجعل كل صادراته الطاقية تمر عبر دولة واحدة، كما أن تطوير مسار مباشر نحو فرنسا لا يلغي إمكانية استمرار التعاون مع إسبانيا في مجالات أخرى. لكن المؤكد أن ظهور خيار جديد سيغير طبيعة المعادلة، لأن الطرف الذي يمتلك أكثر من منفذ يصبح أقل ارتباطًا بمسار واحد وأكثر قدرة على التفاوض مع مختلف الشركاء. وهذه ليست مناورة سياسية بالضرورة، بل قاعدة اقتصادية بسيطة في عالم البنية التحتية والطاقة.

وفي المقابل، فإن القلق الإسباني المفهوم من احتمال تراجع بعض وظائفه الوسيطة لا ينبغي أن يتحول إلى قراءة عدائية لكل مشروع مغربي. فالمشكلة الأساسية التي تواجه إسبانيا ترتبط أيضًا بضعف الربط الكهربائي بين شبه الجزيرة وبقية أوروبا، وهي المعضلة التي جعلت المنطقة الإيبيرية توصف منذ سنوات بأنها “جزيرة طاقية”. وإذا كانت مدريد تريد الاستفادة من موقعها في سوق الطاقة الأوروبية، فإن الحل لا يكمن في النظر بعين الريبة إلى الاستثمارات المغربية، وإنما في تطوير بنيتها التحتية وتعزيز قدرتها على الربط مع فرنسا وباقي القارة.

والأهم من كل ذلك أن مشروع “قنطرة ميد”، إذا انتقل من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التنفيذ، سيضيف وظيفة استراتيجية جديدة إلى الناظور. فالمدينة التي ارتبط اسمها طويلًا بالتجارة والهجرة والحدود، تجد نفسها اليوم في قلب مشاريع كبرى تتعلق بالموانئ والصناعة واللوجستيك والطاقة. ومع “الناظور غرب المتوسط”، يمكن أن تتحول المنطقة إلى منصة متعددة الوظائف، تستقبل السفن والبضائع والاستثمارات، وربما الطاقة أيضًا، لتصبح إحدى البوابات التي يراهن عليها المغرب لتعزيز موقعه في المتوسط.

وبهذا المعنى، فإن الكابل البحري المفترض لا ينبغي اختزاله في مجرد أسلاك تمتد تحت مياه المتوسط. فالمشروع، إلى جانب الميناء والمنطقة الصناعية ومشاريع الطاقات المتجددة، يمكن أن يشكل جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة تربط الإنتاج المغربي بالاستهلاك الأوروبي. وإذا كانت “فوزبوبولي” ترى في ذلك رسالة موجهة إلى إسبانيا، فإن القراءة المغربية يمكن أن تكون أبسط وأكثر واقعية: المغرب يفتح طريقًا جديدًا نحو أوروبا، ومن حقه أن يختار المسار والشريك والسوق التي تخدم مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي النهاية، فإن أكثر ما يثير الانتباه في هذه القصة ليس مجرد فكرة تصدير الكهرباء المغربية إلى فرنسا، وإنما المكان الذي ينطلق منه المشروع: الناظور. فهذه المدينة الواقعة على الواجهة المتوسطية للمغرب تتحول تدريجيًا إلى نقطة ارتكاز لمشاريع تتجاوز حدود الإقليم، من الميناء والصناعة واللوجستيك إلى الطاقة والربط الدولي. وإذا نجح المغرب في تحويل هذه المشاريع إلى منظومة متكاملة، فقد يصبح السؤال بالنسبة إلى أوروبا ليس كيف تصل إلى المغرب، وإنما كيف تضمن ألا تتأخر عن قطار مغربي يتجه شمالًا… من الناظور مباشرة نحو قلب القارة.

23/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts