في سبتة المحتلة، يبدو أن “العودة إلى الوضع الطبيعي” أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى ملف إداري ورقم انتظار، وربما جهاز حاسوب إضافي! فبعد نحو شهرين على موجة التدفق الجماعي التي هزت المدينة، لا تزال السلطات الإسبانية عاجزة عن طي صفحة الأزمة، فيما تشير مصادر شرطية إلى أن معالجة الملفات العالقة قد تمتد إلى بداية سنة 2027.
مصادر تكشف أن مئات المهاجرين لا يزالون في سبتة، بعضهم في مخيمات مؤقتة على الشواطئ، وآخرون في مرافق خصصتها الحكومة، بينما عجزت السلطات، بعد ثمانية أسابيع كاملة، عن تقديم رقم دقيق ونهائي لعدد الموجودين، سواء من البالغين أو القاصرين غير المصحوبين.
واللافت أن الأرقام نفسها تبدو وكأنها دخلت في نفق الأزمة. فبينما تتحدث مصادر شرطية عن نحو 15 ألف شخص لا تزال أوضاعهم الإدارية عالقة، خرج وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا قبل أيام برقم أقل، في حدود 10 آلاف مهاجر، بينهم ما بين 3 آلاف و3500 شخص خارج نقاط الإيواء التي خصصتها السلطات.
وقبل ذلك، كان الرقم الرسمي قد بدأ بنحو ألفي شخص في 4 غشت، قبل أن يقفز إلى 5 آلاف بعد أسبوعين. واليوم هناك رقم جديد على الطاولة. وبين رقم وآخر، تبدو سبتة المحتلة وكأنها تحولت إلى مسابقة مفتوحة في الحسابات: كم شخصاً بقي فعلاً؟ ومن يملك الرقم النهائي؟
المفارقة أن مدريد لا تواجه فقط ضغط المهاجرين، بل تواجه أيضاً جبال الملفات التي خلفتها الأزمة. فالشرطة الوطنية تتولى منذ أسابيع معالجة طلبات اللجوء والإجراءات المرتبطة بالمهاجرين والقاصرين، لكن وتيرة العمل الحالية لا تسمح بإغلاق الملف في وقت قريب.
وتشير مصادر شرطية إلى أن الأمر قد يحتاج إلى ستة أشهر إضافية على الأقل. أي أن “الوضع الطبيعي” الذي تتحدث عنه السلطات الإسبانية يبدو أنه حصل بدوره على موعد إداري جديد: بداية 2027… إذا سارت الأمور كما ينبغي !
أما المشكلة، وفق النقابات، فتكاد تكون أبسط من كل هذه الحسابات: لا يوجد عدد كافٍ من العناصر، ولا أجهزة حاسوب كافية، ولا مراكز تشغيلية مجهزة بما يكفي، ولا قدرة إدارية تستوعب حجم الملفات. وكأن آلاف الطلبات نزلت فجأة على مكاتب الشرطة من السماء، وكأن أزمة بهذا الحجم يمكن تدبيرها بمنطق “نرى لاحقاً كيف سنتدبر الأمر”.
وفي نهاية غشت، نقلت وزارة الداخلية الإسبانية إجراءات الأجانب من مقر شرطة سبتة إلى مركز الرعاية المؤقتة للأجانب “كاتي” في منطقة تاراخال، بهدف تخفيف الضغط عن المرافق الأمنية. لكن بعد مرور شهر، تقول الشرطة إن المركز نفسه لا يزال يفتقر إلى التجهيزات الكافية.
وهكذا انتقلت الأزمة ببساطة من مقر إلى آخر، بينما بقيت الملفات في مكانها تقريباً… وكأن تغيير العنوان كان أسهل من حل المشكلة.
وتقول آنا ماريا ألاركون، المتحدثة باسم النقابة الموحدة للشرطة، إن نحو 90 شرطياً يقومون حالياً بعمليات الفرز وإعداد الملفات المتعلقة بطلبات اللجوء، بطاقة معالجة تقارب 100 عملية فرز يومياً.
لكن النقابة ترى أن تحقيق الأهداف التي حددتها الحكومة خلال ثلاثة أشهر يتطلب تعزيزاً إضافياً لا يقل عن 80 شرطياً، إلى جانب مزيد من أجهزة الحاسوب المحمولة والوحدات والموارد الإدارية.
أما إذا أرادت السلطات الإسبانية التخلص من الجزء الأكبر من التراكم خلال شهر واحد تقريباً، فعليها الوصول إلى 500 عملية فرز يومياً، وهو ما يعني، بحسب النقابة، إضافة نحو 190 شرطياً آخرين.
وبعبارة أخرى، كلما اقتربت مدريد من محاولة إغلاق ملف سبتة، اكتشفت أن أمامها ملفات أخرى تنتظر دورها. وبين الأرقام المتضاربة، والمخيمات المؤقتة، والموارد الناقصة، والانتظار الإداري، يبدو أن الأزمة لم تعد مجرد موجة عابرة على حدود المدينة، بل تحولت إلى امتحان طويل لقدرة الإدارة الإسبانية على استيعاب تداعياتها.
والأكثر دلالة أن السلطات الإسبانية عززت في الوقت نفسه محيط الحدود بأكثر من 300 عنصر من وحدات مكافحة الشغب، بينهم 180 شرطياً وطنياً ونحو 150 من الحرس المدني، تحسباً لاحتمال وقوع محاولة جديدة للعبور.
لكن المفارقة التي تختصر المشهد كله ربما تكمن هنا: الحدود تستعد لجولة جديدة، بينما الإدارة لا تزال تحاول إنهاء الجولة السابقة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه مدريد عن العودة إلى “الوضع الطبيعي”، يبدو أن سبتة المحتلة ما زالت تنتظر ذلك الوضع… بين ملف لم يُغلق، ورقم لم يُحسم، وتجهيزات لم تصل، وموعد جديد جرى دفعه بهدوء إلى سنة 2027.
23/09/2026