في سبتة المحتلة، حيث لا تزال تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة تلقي بظلالها على المشهد الأمني والاجتماعي، اندلعت عاصفة جديدة حول طريقة تعاطي وسائل الإعلام الإسبانية مع الأحداث، بعدما وجدت قناة “لا سيكستا” نفسها أمام أسئلة محرجة بشأن تقرير قدم شخصين ملثمين على أنهما ينتميان إلى دوريات مواطنين تلاحق مهاجرين وتعتدي عليهم بالضرب.
القصة بدأت بتقرير حمل عنواناً صادماً: “الملثمان العنيفان اللذان يضربان المهاجرين في سبتة يتحدثان”، حيث ظهرت شخصيتان ملثمتان تحدثتا، وفق رواية القناة، عن نشاطهما ضد مهاجرين تقولان إنهم يرتكبون أعمالاً إجرامية.
ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، إذ نسبت القناة إلى الشخصين تصريحات أكثر خطورة، من بينها أنهما ليسا “فاشيين” ولا “مغاربة” ولا “عنصريين”، بل إنهما ذهبا، وفق التقرير، إلى الادعاء بأن عناصر الشرطة “تشكرهما” وتتغاضى عن أفعالهما.
وتصريحات من هذا النوع، إن ثبتت صحتها، لا تتعلق فقط بشخصين مجهولي الهوية، بل تفتح الباب أمام تساؤلات حول ممارسات مفترضة في الشارع، ومدى علم الأجهزة الأمنية بها، والأساس الذي بنت عليه القناة تقريرها.
لكن المفاجأة الأخرى جاءت من مكان مختلف: هوية الرجلين نفسيهما. فمنذ نشر التقرير، بدأت شبكات التواصل الاجتماعي في التشكيك في الرواية التي قدمتها “لا سيكستا”، وطرح مستخدمون أسئلة حول هوية الشخصين وعلاقتهما بسبتة المحتلة.
كما تساءلوا عما إذا كانت القناة قد تمكنت فعلاً من التحقق من خلفيتهما قبل تقديمهما للرأي العام على أنهما جزء من مجموعات تقوم بمطاردة مهاجرين. وبينما لا يمكن، استناداً إلى مظهر الشخصين وحده، إثبات أصلهما أو الجزم بأنهما من الوافدين خلال موجة الهجرة الأخيرة، فإن غياب معلومات واضحة حول هويتهما وكيفية التحقق من روايتهما ساهم في تحويل التقرير إلى قضية إعلامية موازية.
ثم جاءت الواقعة التي زادت النار اشتعالاً. فقد اختفت التغريدة التي نشرتها “لا سيكستا نوتيسياس” للترويج للتقرير، الأمر الذي دفع مستخدمين إلى التساؤل عن سبب حذفها، خصوصاً أن المادة نفسها ظلت منشورة على الموقع الإلكتروني للقناة.
وقد أعاد أحد مستخدمي منصة “إكس” نشر صورة للتغريدة المحذوفة، معلقاً بسخرية: “لقد حُذفت هذه التغريدة منكم عن طريق الخطأ”. وهنا لم يعد الجدل يدور فقط حول مضمون التقرير، بل امتد إلى سؤال بسيط لكنه ثقيل: لماذا اختفت التغريدة إذا كانت القناة واثقة من مادتها؟
وزادت حدة الانتقادات بعدما اتهم الصحفي خوسيه خافيير إسبارثا، مدير برنامج “إل غاتو آل أغوا”، القناة باستخدام شخصين مهاجرين وتقديمهما، بحسب تعبيره، على أنهما من سكان سبتة الذين يطاردون مهاجرين آخرين.
غير أن هذه الاتهامات بدورها لم تُدعَم، حتى الآن، بأدلة حاسمة تثبت هوية الرجلين، وهو ما يجعل القضية عالقة بين رواية القناة من جهة، والشكوك والاتهامات التي أطلقتها شبكات التواصل وبعض المنتقدين من جهة أخرى.
والأكثر حساسية أن التقرير لم يكتف بتقديم رواية عن “دوريات” مفترضة، بل تضمن ادعاءات بشأن الشرطة نفسها، بينها أن عناصر أمنية تتغاضى عن تلك الأفعال أو حتى تشكر أصحابها عليها. وهي ادعاءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة لمجرد ورودها على لسان شخصين ملثمين، بل تحتاج إلى أدلة مستقلة ووثائق وشهادات موثوقة.
وفي ظل الوضع المتوتر الذي تعيشه سبتة المحتلة منذ أزمة الهجرة الأخيرة، تبدو المسألة أكثر حساسية من مجرد سجال إعلامي. فكل تقرير عن اعتداءات أو دوريات أهلية أو تواطؤ أمني يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على صورة المدينة وعلى علاقتها بسكانها والمهاجرين الموجودين فيها.
ولهذا تبرز أسئلة كثيرة أمام “لا سيكستا” و”أتريسميديا”: من هما الرجلان؟ كيف تم الوصول إليهما؟ كيف تحققت هيئة التحرير من روايتهما؟ هل توجد شكايات أو محاضر رسمية بشأن الاعتداءات التي تحدثا عنها؟ وهل توجد أي أدلة مستقلة على ادعاءاتهما بشأن الشرطة؟ والأهم: لماذا حُذفت التغريدة التي روّجت للتقرير بينما بقي التقرير منشوراً على الموقع؟
حتى الآن، يبقى المؤكد أن “لا سيكستا” بثت شهادة شخصين ملثمين وقدّمتهما باعتبارهما جزءاً من دوريات تطارد المهاجرين وتعتدي عليهم، قبل أن تختفي التغريدة التي روّجت للتقرير من شبكات التواصل، وكأن المشكلة لم تكن في مضمون القصة، بل في التغريدة التي قررت فجأة أن تختفي عن الأنظار.
أما الحديث عن “فبركة” التقرير أو التلاعب بهوية الرجلين، فلا يزال مجرد اتهامات تنتظر الدليل. لكن اللافت أن الأسئلة تتكاثر بالسرعة نفسها التي تختفي بها الأجوبة: من هما الرجلان؟ كيف عثرت عليهما “لا سيكستا”؟ كيف تحققت من روايتهما؟ ولماذا اختفت التغريدة بينما بقي التقرير في مكانه؟ يبدو أن القصة تحتاج إلى تحقيق في التحقيق نفسه، فكلما حاول المشاهد الإمساك بالخيط، وجد أن الخيط قد اختفى… وربما مع التغريدة المحذوفة!
:::