أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت بدائرة الناظور، يوم أمس الأربعاء 23 شتنبر الجاري، واحدة من أكثر الخرائط الانتخابية إثارة للانتباه خلال السنوات الأخيرة، بعدما قلبت صناديق الاقتراع حسابات عدد من المرشحين والأحزاب، وأسقطت أسماء كانت تبدو، إلى وقت قريب، في موقع مريح داخل سباق المقاعد الأربعة المخصصة للإقليم.
وإذا كانت النتائج قد كرست صدارة محمد المومني، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، بفارق انتخابي كبير، فإن المفاجأة الأكبر تكمن في الصراع المحتدم على المقاعد الثلاثة الأخرى، حيث لم يفصل بين المرشح الرابع والخامس سوى أصوات قليلة ، وفق الأرقام التي تم تداولها حول النتائج المعلنة محلياً.
وبحسب هذه المعطيات، تصدر محمد المومني السباق ب 13456 ألف صوت، متبوعاً بعبد القادر أقوضاض، مرشح حزب الاتحاد الدستوري، بـ7 آلاف و371 صوتاً، ثم حليم فوطاط، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار، بـ7 آلاف و322 صوتاً، يليه محمد الصادقي عن حزب العدالة والتنمية بـ7 آلاف و293 صوتاً، بينما توقف رصيد محمد أبركان، مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عند 7 آلاف و153 صوتاً.
وباحتساب مجموع أصوات المرشحين الخمسة وفق هذه الأرقام، والذي يبلغ حوالي 43 ألف صوت ، فإن المومني يستحوذ وحده على نحو 30.2 في المائة من مجموع أصوات هؤلاء الخمسة، مقابل حوالي 17.5 في المائة لقوضاض، و17.5 في المائة لفوطاط، و17.4 في المائة للصادقي، وحوالي 17.4 في المائة لأبركان.
والأكثر دلالة أن الفارق بين أقوضاض، صاحب المركز الثاني، وأبركان، صاحب المركز الخامس، لا يتجاوز 220 صوتاً، في حين أن الفرق بين الصادقي وأبركان لا يتعدى 18 صوتاً، وهو ما يجعل نتيجة المقعد الأخير من أكثر النتائج تقارباً وإثارة في دائرة الناظور.
وتكشف هذه الأرقام أن المعركة لم تُحسم بالضرورة بفوارق انتخابية كبيرة بين أغلب المتنافسين، وإنما بفوارق صغيرة جداً جعلت بعض الأصوات في عدد من الجماعات والمناطق قادرة على قلب النتيجة النهائية. وفي المقابل، بدا أن المومني خاض سباقاً من نوع آخر، بعدما تمكن من بناء فارق كبير عن أقرب منافسيه، وهو ما تؤكده أيضاً المعطيات المنشورة حول النتائج شبه النهائية، التي وضعت مرشح الأصالة والمعاصرة في الصدارة بفارق واضح عن باقي المتنافسين.
أبركان .. سقوط غير متوقع بعد سنوات من الحضور
ولعل أبرز عنوان سياسي لهذه الانتخابات بالناظور هو خروج محمد أبركان من دائرة الفائزين، بعدما كان يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر المرشحين امتلاكاً لقاعدة انتخابية راسخة، بحكم تجربته السياسية الطويلة وحضوره البرلماني المتواصل.
فقد كان أبركان، إلى حدود الساعات الأخيرة التي سبقت الاقتراع، من الأسماء التي يصعب تصور غيابها عن المقاعد الأربعة، قبل أن تكشف النتائج أن قاعدة انتخابية واسعة لا تعني بالضرورة ضمان المقعد، خصوصاً في انتخابات تتحكم فيها تفاصيل دقيقة جداً على مستوى الجماعات والمكاتب والأحياء.
واللافت أن أبركان لم يخسر بفارق كبير، وإنما توقف على بعد 140 صوتاً فقط من محمد الصادقي الذي انتزع منه المركز المؤهل للمقعد البرلماني .
وتفتح هذه النتيجة الباب أمام قراءة أخرى لأداء الفرق الانتخابية التي اشتغلت إلى جانب المرشحين، إذ إن المرشح قد يمتلك تاريخاً انتخابياً طويلاً، لكن ضعف التعبئة الميدانية في مناطق معينة أو سوء تقدير حجم الدعم الحقيقي قد يكون مكلفاً للغاية عندما تكون الفوارق النهائية محسوبة بالعشرات.
وتتداول مصادر محلية معطيات تفيد بأن بعض الوعود الانتخابية التي قدمها عدد من الداعمين لأبركان لم تتحول إلى أصوات فعلية بالحجم الذي كان متوقعاً. ومن بين الأسماء التي يجري الحديث عنها سعيد الرحموني، رئيس المجلس الإقليمي للناظور، الذي وعد بتوفير آلاف الأصوات، إلى جانب ميلود عززوز عضو جماعة سلوان الذي نُسبت إليه توقعات بالحصول على 2500 من الأصوات من منطقة سلوان ، قبل أن يتبخر كل شئ .
أقوضاض … من هامش المنافسة إلى المركز الثاني
في الجهة المقابلة، شكل صعود عبد القادر أقوضاض، مرشح حزب الاتحاد الدستوري، واحدة من أبرز مفاجآت اقتراع الناظور.
فالحصول على 7 آلاف و371 صوتاً ووضعه في المركز الثاني، وفق الأرقام المذكورة، يعني أن قوضاض لم يكتفِ بانتزاع مقعد من حزب الاستقلال، بل تمكن من تجاوز أسماء حزبية كانت تُصنف قبل الاقتراع ضمن المنافسين التقليديين على المقاعد الأربعة.
ويبدو أن حملة أقوضاض ركزت على الحضور الميداني والتنقل بين مختلف الجماعات والتركيز على التواصل المباشر مع المواطنين، في تقديم خطاب انتخابي أقرب إلى القضايا اليومية بدل الاكتفاء بالشعارات والوعود العامة.
لكن قراءة النتيجة انتخابياً تقتضي الحذر من تحويل هذا العامل وحده إلى تفسير نهائي للصعود؛ فالنتائج الانتخابية تتداخل فيها عوامل متعددة، من قوة المرشح الشخصية إلى التنظيم الحزبي، مروراً بالشبكات الانتخابية المحلية وتوزيع الأصوات ونسب المشاركة.
المومني … انتصار بفارق يتجاوز ستة آلاف صوت
أما محمد المومني، فقد خرج من هذه الانتخابات باعتباره صاحب أكبر رصيد انتخابي داخل دائرة الناظور وفق الأرقام الرسمية، بأكثر من 13 ألف صوت، أي بفارق يزيد عن 6 آلاف صوت عن أقرب منافسيه.
وهذا الفارق لا يمكن وضعه في الخانة نفسها مع الفوارق التي عرفتها المراكز من الثاني إلى الخامس؛ فالمنافسة هناك كانت شديدة التقارب، بينما تمكن المومني من بناء مسافة انتخابية واضحة جعلت موقعه في الصدارة بعيداً عن الحسابات الضيقة التي طبعت بقية السباق.
وتشير المعطيات إلى أن وراء هذا الأداء شبكة من المنتخبين والفاعلين المحليين الذين اشتغلوا على تعبئة الأصوات في عدد من الجماعات، ومن بينهم سعيد التومي، وجمال حمزاوي، ورفيق مجعيط، وأحمد المحمودي ، وسهيل هوبان ، وجمال بوصابون، وغيرهم.
وساهمت هذه الشبكة في توفير دعم انتخابي كبير للمومني في مناطق مختلفة، وهو ما انعكس على الفارق الكبير الذي حققه في نهاية المطاف.
الخلاصة: الناظور لا تمنح المقاعد بالاسم فقط
تكشف نتائج الناظور أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أعادت رسم جزء مهم من الخريطة السياسية بالإقليم. فبينما تمكن محمد المومني من فرض نفسه في الصدارة بفارق واضح، صعد عبد القادر أقوضاض إلى المركز الثاني، وحافظ حليم فوطاط على موقع مؤهل للفوز، وتمكن محمد الصادقي من خطف المقعد الرابع بفارق بالغ الضآلة عن محمد أبركان الذي جاء خامسا .
والرسالة الأبرز التي تحملها الأرقام هي أن الاسم الانتخابي وحده لم يعد كافياً لضمان المقعد، وأن امتلاك تاريخ سياسي وقاعدة انتخابية لا يعفي المرشح من ضرورة امتلاك تنظيم ميداني قادر على تحويل الدعم المعلن إلى أصوات فعلية داخل صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، فإن صعود أقوضاض والمومني والصادقي وفوطاط يفتح مرحلة جديدة في المشهد البرلماني بالناظور، ويضع الفائزين أمام اختبار مختلف تماماً: هل ستتحول الأصوات التي منحتهم المقاعد إلى حضور فعلي داخل البرلمان، وإلى قدرة حقيقية على الدفاع عن ملفات الإقليم ومطالب سكانه؟
ذلك هو الاختبار الذي سيحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت مفاجأة صناديق الاقتراع مجرد تغيير في الأسماء، أم بداية فعلية لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية بالناظور.
24/09/2026