لم يعد مضيق جبل طارق مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية في صمت، بعدما عاد إلى الواجهة الأمنية الأوروبية من بوابة تحذير استخباراتي أمريكي يتحدث عن احتمال استخدام سفن تجارية مرتبطة بما يسمى “الأسطول الشبح” الروسي كمنصات لإطلاق طائرات مسيّرة باتجاه أهداف داخل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، في سيناريو يكشف مرة أخرى أن السفن التي تتحرك بين الأطلسي والبحر المتوسط قد تحمل في طياتها ما هو أبعد بكثير من شحنات النفط والسلع.
وبحسب معطيات، فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أبلغت حكومات أوروبية باحتمال تنفيذ عملية روسية تعتمد على طائرات مسيّرة من طراز “غيربيرا”، يمكن إطلاقها من سفن موجودة في البحر المتوسط. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة لا تتعلق بهجوم تقليدي واسع النطاق، وإنما بأسلوب أكثر تعقيداً يقوم على التخفي، وإرباك المنشآت الحيوية، وإشعال الحرائق أو إلحاق أضرار مؤقتة بالموانئ والمطارات، قبل أن تختفي المنصة التي أطلقت المسيّرة وسط حركة الملاحة التجارية.
وتتحدث المعطيات عن مسيّرات “غيربيرا” يبلغ طولها نحو مترين، ويصل وزنها إلى 18 كيلوغراماً، مع مدى معلن يصل إلى نحو 600 كيلومتر. ووفق مصادر قريبة من وزارة الدفاع الليتوانية، يمكن إخفاء هذه الطائرات داخل حاويات على متن سفن تجارية، ثم إطلاقها من البحر، بما يجعل اكتشاف المنصة المستخدمة في العملية أكثر تعقيداً، ويضع الملاحة التجارية أمام تحدٍّ أمني غير مسبوق.
والأخطر أن مضيق جبل طارق ليس نقطة عابرة في هذه المعادلة، بل يقع على واحد من أهم الممرات البحرية التي تستخدمها السفن التابعة لما يسمى “الأسطول الشبح” الروسي. فبحسب التقرير السنوي للأمن القومي الإسباني لعام 2025، تتركز أنشطة هذا الأسطول في المياه القريبة من جزر الكناري، إضافة إلى بحر البوران ومضيق جبل طارق، فيما تراقب البحرية الإسبانية، عبر مركز العمليات والمراقبة للعمل البحري “كوفام”، ما معدله 50 سفينة أسبوعياً، بالاستناد إلى السفن المدرجة على لوائح العقوبات الأوروبية.
والأرقام وحدها تكفي لإظهار حجم القصة؛ إذ تشير دراسة للمعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية التابع لوزارة الدفاع الإسبانية إلى أن ناقلات النفط المرتبطة بهذا الأسطول تعبر المضيق بكثافة، حيث سجلت خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2024 ما معدله 83 رحلة شهرياً، محملة بأكثر من 52 مليون برميل شهرياً من النفط الخام والمنتجات المكررة.
لكن المفاجأة التي تجعل الإنذار الأمريكي أكثر حساسية تتمثل في أن بعض هذه السفن، وفق الدراسة الإسبانية، قد لا تكون مجرد ناقلات نفط تتحرك تحت أعلام مختلفة، بل يمكن أن تتحول إلى أدوات للمراقبة وجمع المعلومات، وحتى إلى منصات محتملة لإطلاق أنظمة غير مأهولة. وكانت دراسة المعهد قد أشارت إلى حادث وقع في غشت 2025، حين حلقت طائرة مسيّرة روسية، يُعتقد أنها أُطلقت من سفينة تابعة للأسطول الشبح، فوق فرقاطة ومنشأة ألمانية حساسة والتقطت صوراً لهما.
وفي مضيق جبل طارق تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالبحرية الإسبانية تتابع بشكل دوري حركة هذه السفن، وقد سبق للسفينة الإسبانية “رايو” أن راقبت وحدات بحرية روسية أثناء عبورها المتوسط باتجاه الأطلسي عبر المضيق. كما عبرت سفن روسية مرتبطة بما يسمى “سوريان إكسبرس” المضيق خلال ماي الماضي، فيما كان نظام التعريف الآلي “AIS” متوقفاً خلال جزء من الرحلة، وفق تحليلات متخصصة لحركة الملاحة البحرية.
وتزداد حساسية السيناريو مع الحديث عن إمكانية إطلاق المسيّرات من مسافة تتراوح بين 200 و300 كيلومتر عن الساحل، بما يسمح لها بالوصول إلى الأراضي الأوروبية خلال فترة زمنية محدودة. وفي مثل هذا السيناريو، لا تحتاج العملية إلى تدمير منشأة استراتيجية كبرى حتى تحقق تأثيراً أمنياً واقتصادياً؛ فإشعال حريق، أو إصابة معدات مكشوفة، أو تعطيل مؤقت لمطار أو ميناء، يمكن أن يكون كافياً لإحداث ارتباك كبير.
وهنا تكمن خطورة “الأسطول الشبح”: سفن تجارية تبدو في ظاهرها جزءاً من حركة الملاحة الدولية، لكنها تتحرك في منطقة استراتيجية مكتظة بالسفن وقريبة من منشآت عسكرية وموانئ ومطارات وبنى تحتية حيوية، ما يجعل الفصل بين النشاط التجاري المشروع والأنشطة السرية أكثر صعوبة.
ومع ذلك، لا تزال الصورة بعيدة عن كونها إنذاراً أوروبياً مؤكداً وموحداً. فقد أقرت المفوضية الأوروبية باطلاعها على التقارير المنشورة، لكنها أوضحت أنها ليست على علم بتحذير محدد بشأن هجمات من هذا النوع. كما أن وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو شكك علناً في المعطيات، مؤكداً أن السلطات الإيطالية لم تؤكد وجود إنذار يتعلق بهجمات روسية محتملة ضد إسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وبين التحذير الاستخباراتي الأمريكي والتشكيك الإيطالي والصمت الأوروبي الحذر، يجد مضيق جبل طارق نفسه مرة أخرى في قلب لعبة أمنية أكبر من حدوده الجغرافية. فالممر الذي يفصل أوروبا عن إفريقيا ويربط الأطلسي بالمتوسط لا يبدو اليوم مجرد شريان للتجارة والطاقة، بل ساحة تتقاطع فيها السفن التجارية والعسكرية، والعقوبات الأوروبية، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة.
ويبقى أخطر ما كشفته هذه المعطيات ليس بالضرورة وجود هجوم وشيك، إذ لا توجد حتى الآن تأكيدات أوروبية رسمية على ذلك، وإنما أن البحر نفسه قد يتحول إلى منصة مجهولة للتهديد، وأن سفينة تعبر المضيق تحت غطاء النشاط التجاري قد تصبح، في أسوأ السيناريوهات، جزءاً من عملية لا علاقة لها بالتجارة ولا بالملاحة. ومع وجود عشرات السفن المرتبطة بالأسطول الشبح في محيط المنطقة أسبوعياً، يبدو أن جبل طارق دخل فعلاً مرحلة جديدة من اليقظة الأمنية، حيث لم يعد السؤال فقط: من يعبر المضيق؟ بل ماذا تحمل السفن التي تعبره، ولأي غرض؟
24/09/2026