في تطور عسكري لافت، يظهر المغرب إلى جانب إسبانيا ضمن قائمة تضم 30 دولة مرتبطة بعقد أمريكي جديد بقيمة 105.65 ملايين دولار مع عملاق الصناعات الدفاعية “رايثيون”، يتعلق بمكونات صاروخ الجو-جو المتقدم AIM-120 أمرام، في خطوة تبرز الحضور المتزايد للقدرات الجوية المغربية داخل منظومة تسليح أمريكية واسعة تمتد عبر أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
العقد، الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية، يندرج ضمن التعديل التعاقدي “PZ0004” لعقد سابق مع “رايثيون”، ويتضمن أعمالاً في منشآت الشركة بمدينة توسان في ولاية أريزونا حتى 31 غشت 2027. ورغم أن الإعلان الأمريكي لا يكشف طبيعة المكونات التي سيتم اقتناؤها ولا الكميات المخصصة لكل دولة، فإن إدراج المغرب وإسبانيا معاً ضمن السلسلة اللوجستية لهذا البرنامج يسلط الضوء مجدداً على مسار تحديث ترسانتيهما من صواريخ “أمرام”.
والأهم أن اسم الرباط ليس طارئاً على هذا الملف، إذ سبق للولايات المتحدة أن أخطرت، في ديسمبر 2024، بإمكانية بيع المغرب ما يصل إلى 30 صاروخاً من طراز AIM-120C-8 AMRAAM، إلى جانب معدات توجيه ودعم وتجهيزات للقياس عن بُعد وقطع غيار وبرمجيات ومعدات للفحص وإعادة البرمجة، بقيمة تقديرية قصوى بلغت 88.37 مليون دولار.
وترتبط هذه الصواريخ بتعزيز قدرات أسطول مقاتلات إف-16 المغربية، بما يجعل “أمرام” جزءاً من منظومة متكاملة لتطوير القوة الجوية المغربية، وليس مجرد إضافة منفصلة إلى مخزون الذخائر. فالقيمة العسكرية للصاروخ ترتبط بقدرته على العمل ضمن منظومة المقاتلة، إلى جانب أنظمة الاستشعار والتوجيه والاتصالات والدعم اللوجستي والتقني.
وفي المقابل، تفرض الدقة التمييز بين الإخطار الأمريكي بإمكانية البيع وبين إتمام الصفقة فعلياً؛ فالإخطار لا يعني بالضرورة أن المغرب تسلم بالفعل الصواريخ الثلاثين كاملة، كما أن القيمة المنشورة تمثل سقفاً تقديرياً للعملية، وليست بالضرورة القيمة النهائية للصفقة.
لكن حضور المغرب لا يتوقف عند نسخة “C-8″، إذ يظهر اسم المملكة أيضاً في برنامج أمريكي أكبر مرتبط بتطورات عائلة “أمرام”. ففي يونيو 2026، منحت وزارة الدفاع الأمريكية شركة “رايثيون” عقداً بقيمة 398.69 مليون دولار لأعمال مرتبطة بمتطلبات نظام D4/C9، ومراحل التصميم وإثباته والتصنيع، مع إدراج المغرب ضمن الدول المرتبطة بالبرنامج إلى جانب إسبانيا ودول أخرى.
وهنا تكمن إحدى أبرز دلالات التطور: فالمغرب حاضر في برنامج يتصل بتطور عائلة صاروخية أمريكية واسعة الاستخدام، وإن كانت المعطيات العلنية لا تسمح بالقول إن المملكة تعاقدت بالفعل على كمية محددة من النسخة المستقبلية C-9. أما البرنامج المغربي المحدد بشكل واضح حتى الآن، فيبقى AIM-120C-8 الذي تم الإخطار بشأنه سنة 2024.
وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن مسار تعزيز مخزونها من “أمرام” كان بدوره أكثر وضوحاً منذ تعديل ملف البيع الأمريكي في ديسمبر 2023، والذي تضمن إمكانية إضافة ما يصل إلى 655 صاروخاً من طراز AIM-120C-8 أو AMRAAM-ER، إلى جانب صواريخ تدريب وقطع غيار ومعدات دعم، بقيمة تقديرية للعناصر الجديدة بلغت 1.6835 مليار دولار، لترتفع القيمة الإجمالية التقديرية للحالة الإسبانية إلى نحو 1.932 مليار دولار.
وهكذا يلتقي المغرب وإسبانيا داخل منظومة التسليح الأمريكية نفسها، لكن عبر برامج وطنية مستقلة، في وقت يتحول فيه “أمرام” إلى أحد أبرز مكونات منظومات القتال الجوي الحديثة، بالتوازي مع ارتفاع الطلب الدولي على الصاروخ.
وفي هذا السياق، أعلنت “رايثيون” في فبراير 2026 عن اتفاقات تمتد حتى سبع سنوات مع وزارة الدفاع الأمريكية، تستهدف، من بين أمور أخرى، رفع الإنتاج السنوي لصاروخ “أمرام” إلى ما لا يقل عن 1,900 صاروخ، بعدما أصبح الصاروخ مستخدماً لدى أكثر من 40 حليفاً وشريكاً، ومتكاملاً مع مقاتلات من الجيلين الرابع والخامس ومع منظومة الدفاع الجوي “ناسامز”.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن أهمية التطور تتجاوز الرقم المالي للعقد الجديد؛ فالمملكة تتحرك ضمن مسار متواصل لتحديث قدراتها الجوية، وتطوير منظومة “إف-16″، وتعزيز الذخائر والأنظمة المرتبطة بها. ودخول اسم الرباط في سلسلة برامج “أمرام” الأمريكية يضع هذا التحديث في سياق أوسع، عنوانه الانتقال من مجرد امتلاك الطائرات المقاتلة إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين الطائرة والصاروخ والاستشعار والاتصال والدعم اللوجستي.
كما أن ارتباط المغرب ببرنامج “أمرام” يكتسب دلالة إضافية بالنظر إلى الطبيعة الدولية للصاروخ، الذي تستخدمه عشرات الدول الحليفة والشريكة للولايات المتحدة. وبالتالي، فإن حضور المملكة في هذه الشبكة يعكس اندماجاً متزايداً في منظومات التسليح والتشغيل والصيانة التي تقودها الولايات المتحدة وشركاتها الدفاعية الكبرى.
أما وجود المغرب وإسبانيا في العقد نفسه، فيمنح التطور بعداً إقليمياً لافتاً، إذ تلتقي دولتان متجاورتان في غرب المتوسط داخل سلسلة صناعية ولوجستية أمريكية واحدة، بينما يحتفظ كل طرف ببرنامجه الوطني المستقل لتحديث قدراته الجوية.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بصفقة واحدة يمكن اختزالها في رقم 105.65 ملايين دولار، ولا يعني أن المغرب حصل بالفعل على جميع الكميات التي تظهر في مختلف الإخطارات والبرامج الأمريكية. لكن الصورة الأوسع تبدو أكثر أهمية: اسم المغرب حاضر بقوة في منظومة “أمرام” الأمريكية، وبرنامجه المحدد يشمل صواريخ AIM-120C-8 الموجهة لتعزيز قدرات مقاتلات إف-16، فيما يظهر اسم المملكة أيضاً ضمن برنامج D4/C9 المرتبط بتطورات مستقبلية لعائلة الصاروخ.
وهكذا، وبينما ترفع “رايثيون” إنتاجها لمواجهة الطلب العالمي المتزايد، يواصل المغرب ترسيخ موقعه داخل منظومة التسليح الجوي الحديثة، في مسار يجعل تحديث القوة الجوية المغربية يتجاوز مجرد اقتناء الطائرات إلى بناء قدرة قتالية متكاملة ومتصلة بشبكات التسليح والدعم الأمريكية.
24/09/2026