خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الخميس 24 شتنبر الجاري، في مقابلة مشتركة بثتها قناتا TF1 وFrance 2، للحديث عن أبرز الأزمات التي تشغل الفرنسيين، وعلى رأسها الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وتصاعد ما وصفه بالتهديد الروسي تجاه أوروبا.
وقال ماكرون إن الوضع الدولي ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للفرنسيين، خصوصاً من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات، مؤكداً أن الحكومة والدولة الفرنسية تعملان على الحد من آثار هذه الأزمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هامش التحرك المالي للدولة ليس مفتوحاً بلا حدود.
وبخصوص أسعار الوقود، أقر الرئيس الفرنسي بأن الوضع أصبح صعباً ومقلقاً بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر، خصوصاً بعدما وصل سعر لتر الديزل إلى حوالي 2.40 يورو في المتوسط.
وردّ ماكرون على الدعوات المطالبة بخفض الضرائب على المحروقات أو تجميد الأسعار، بالقول إن جميع المقترحات تستحق الدراسة، لكنه دعا في المقابل إلى التحلي بـ”الانسجام والصدق” في النقاش العمومي، مذكراً بأن الدولة سبق أن أنفقت مبالغ ضخمة لحماية الفرنسيين خلال أزمة كوفيد وأزمة الطاقة.
وأكد أن ارتفاع أسعار المحروقات الذي تشهده فرنسا حالياً ليس نتيجة قرار اتخذته الحكومة الفرنسية، وإنما مرتبط، حسبه، بالتطورات الجيوسياسية والحروب الدولية.
وأوضح أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على ضخ المزيد من الأموال العامة، لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى زيادة العجز أو الضرائب، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة أسباب ارتفاع الأسعار، وفي مقدمتها إعادة فتح طرق نقل الطاقة وتأمين الإمدادات الدولية.
وفي هذا السياق، تحدث ماكرون عن مضيق هرمز، الذي وصف وضعه بأنه شديد الصعوبة، مؤكداً أن فرنسا تعمل دبلوماسياً من أجل التوصل إلى إعادة فتحه بشكل سلمي، وتأمين حركة ناقلات النفط والسفن التجارية.
وأشار كذلك إلى أهمية تأمين طرق بديلة لنقل الطاقة، خصوصاً عبر البحر الأحمر، في ظل تراجع كميات النفط التي يمكن نقلها عبر بعض المسارات بسبب الهجمات التي طالت منشآت وطرق الإمداد.
وقال الرئيس الفرنسي إن باريس تعمل أيضاً على تأمين الإمدادات الضرورية من الديزل والوقود المستخدم في الطيران والغاز، خصوصاً استعداداً لفصل الشتاء، مؤكداً أن فرنسا في وضع أفضل من بعض الدول الأوروبية فيما يتعلق بمخزون الغاز.
ماكرون: الأزمة الدولية ستستمر في التأثير على الفرنسيين
وخلال المقابلة، لم يخف ماكرون صعوبة المرحلة المقبلة، مؤكداً أن تداعيات الأزمات الدولية ستواصل التأثير على الحياة اليومية للفرنسيين خلال الأسابيع المقبلة.
وربط الرئيس الفرنسي جزءاً كبيراً من هذه التداعيات بالحرب الروسية في أوكرانيا، وبالحرب والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، مؤكداً أن فرنسا تتحرك دبلوماسياً من أجل الحد من آثار هذه الأزمات.
وفي رده على سؤال حول الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بارتفاع الأسعار، قال ماكرون إن معاناة الفرنسيين حقيقية وإن الاحتجاجات الاجتماعية “مشروعة”، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى الحفاظ على الوحدة، معتبراً أن الانقسام الداخلي سيجعل مواجهة الأزمات الخارجية أكثر صعوبة.
تحذير من إمكانية تعرض فرنسا لهجمات روسية
الجزء الآخر من المقابلة خُصص للتهديد الروسي، حيث أكد ماكرون أن روسيا كثفت خلال السنوات الأخيرة، وبشكل أكبر خلال الأسابيع الماضية، ما وصفها بـ”الأعمال العدائية” ضد الدول الأوروبية.
وقال الرئيس الفرنسي إن أوروبا وفرنسا تعرضتا بالفعل لهجمات إلكترونية وحملات تضليل وهجمات مرتبطة بما يسمى بالحرب الهجينة، مضيفاً أن عدداً من هذه الهجمات تم توثيقه ونسبه إلى روسيا.
وفي تصريح لافت، لم يستبعد ماكرون إمكانية تعرض فرنسا مستقبلاً لهجوم باستخدام طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات.
وقال، رداً على سؤال حول إمكانية حدوث مثل هذا السيناريو على الأراضي الفرنسية، إن الإجابة هي نعم، يمكن أن يحدث، مشيراً إلى حادثة مطار لايبزيغ في ألمانيا التي تحدثت السلطات الألمانية عن ارتباطها بروسيا.
وأكد ماكرون أن فرنسا لم تشهد حتى الآن هجوماً من هذا النوع، لكنه شدد على ضرورة أخذ الاحتمال على محمل الجد والاستعداد له.
كما اعتبر أن سيناريو قيام روسيا بتعبئة نحو 300 ألف جندي إضافي في إطار حربها ضد أوكرانيا يبقى سيناريو “مصداقياً”، مشيراً إلى أن موسكو، بحسب تقديره، توجه رسالة مفادها أنها مستعدة لمواصلة الحرب ودفع مزيد من التضحيات من أجل السيطرة على كامل منطقة دونباس.
وفي السياق ذاته، تحدث الرئيس الفرنسي عن حجم الخسائر الروسية منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، مقدراً عدد القتلى والجرحى الروس بنحو 1.2 مليون شخص.
باريس تواصل الاتصالات مع موسكو
وبخصوص إمكانية إجراء محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال ماكرون إن الاتصالات مع روسيا لم تنقطع بالكامل، مشيراً إلى استمرار التواصل على مستوى أجهزة الدولة.
لكنه أوضح أن الهجمات الهجينة التي تعرضت لها فرنسا وأوروبا لم تسبقها، بحسب قوله، رسائل تحذير أو تنبيه من الجانب الروسي.
وأكد أن فرنسا واجهت خلال الفترة الماضية هجمات معلوماتية وإلكترونية، إضافة إلى أعمال مادية داخل الفضاء الأوروبي، معتبراً أن هذه التطورات تفرض تعزيز حماية البنية التحتية الحيوية.
ماكرون يدعو إلى معالجة جذور أزمة المحروقات بدل الاكتفاء بالدعم المالي
وفي مواجهة المطالب بخفض الضرائب على المحروقات أو تجميد الأسعار، شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة البحث أولاً عن أسباب الأزمة.
وقال إن فرنسا تتحرك من أجل إعادة فتح الطرق الدولية لنقل الطاقة، خصوصاً مضيق هرمز، وتأمين الإمدادات، معتبراً أن هذه الإجراءات قد تكون أكثر فاعلية من زيادة الإنفاق العام بشكل كبير.
وأكد أن الحكومة ستواصل العمل على حماية الفرنسيين، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى ضرورة مراعاة وضع المالية العامة للبلاد.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أعلنت فيه الحكومة الفرنسية عن توسيع بعض إجراءات الدعم الموجهة للأسر والأشخاص الذين يعتمدون بشكل كبير على سياراتهم، فيما بلغ سعر الديزل في المتوسط حوالي 2.40 يورو للتر.
رسالة ماكرون: فرنسا تتحرك دبلوماسياً وأمنياً
وختم ماكرون حديثه بالتأكيد على أن دوره كرئيس للجمهورية يتمثل في توجيه العمل الحكومي والتحرك على المستوى الأوروبي والدولي لحماية الفرنسيين، بالتوازي مع الإجراءات التي تتخذها الحكومة داخلياً.
وتكشف المقابلة أن الرئيس الفرنسي أراد الجمع بين ملفين يبدوان منفصلين في الظاهر، لكنهما مرتبطان في خطابه: الأمن الدولي من جهة، والقدرة الشرائية للفرنسيين من جهة أخرى، من خلال التأكيد على أن الحروب والتوترات الدولية أصبحت تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والغذاء والحياة اليومية داخل فرنسا.
وتأتي هذه المقابلة بعد أيام قليلة من اجتماع جمع ماكرون بعدد من قادة الأحزاب السياسية في قصر الإليزيه، حيث عرض أمامهم تقييمه للتطورات الدولية، خصوصاً الحرب في أوكرانيا وتصاعد ما وصفه بالتهديد الروسي والهجمات الهجينة، إضافة إلى تداعيات أزمات الشرق الأوسط على أسعار الطاقة.
24/09/2026