في مدريد، يبدو أن أزمة سبتة المحتلة لم تعد مجرد ملف سياسي وأمني عابر، بل بدأت تمتد حتى إلى أكشاك الحرف اليدوية وروائح الصناعة التقليدية المغربية! فبعد عشر سنوات من تنظيم سوق مغربي تضامني في قلب العاصمة الإسبانية، وجد منظموه أنفسهم أمام قرار مفاجئ بمنع دورته الحادية عشرة، بعدما كانت الاستعدادات قد قطعت أشواطاً كبيرة، وكانت الخيام والمنتجات الحرفية قد وصلت من المغرب.
القصة تبدو للوهلة الأولى إدارية جداً: سلطات منطقة المركز في مدريد تقول إنها وضعت معايير جديدة لتنظيم استعمال الفضاء العام، تقضي بعدم الترخيص للأسواق والمعارض التجارية التي لا تتوفر على اتفاق أو تعاون مع البلدية، بحجة أن المنطقة “مكتظة”، وأن بعض هذه الأنشطة قد تمثل منافسة للتجارة المحلية. كلام مرتب، بيروقراطي، ومليء بالمصطلحات التي تصلح تماماً لوضع غطاء إداري فوق أي قرار محرج.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتذكر أن الجمعية الإسبانية العربية للتنمية والثقافة أمضت نحو عقد في تنظيم هذا السوق، وأنها تقول إنها حصلت قبل أشهر على ما اعتبرته موافقة أولية، واستكملت الإجراءات المطلوبة، بما فيها المخططات والتأمين على المسؤولية المدنية، قبل أن تتلقى في 19 غشت اتصالاً يخبرها بأن إقامة السوق باتت ممنوعة، ثم لم تحصل على تفسير مكتوب إلا في 8 شتنبر.
ولم يتوقف الأمر عند إلغاء موعد في أجندة ثقافية، إذ تقول الجمعية إن قرار الإلغاء تركها، إلى جانب الحرفيين المشاركين، أمام فاتورة مالية حقيقية تشمل مصاريف النقل والتأمينات والتجهيزات والمنشآت والوثائق التقنية ونقل البضائع. وبحسب رئيس الجمعية، رشيد إسماعيلي، فإن التداعيات الاقتصادية ستكون مهمة، سواء بالنسبة إلى الجمعية أو الحرفيين الذين كانوا يستعدون للمشاركة في السوق.
وهنا بالضبط يبدأ السؤال الذي لا يبدو أن كثرة المصطلحات الإدارية قادرة على دفنه: إذا كانت القاعدة الجديدة هي منع الأسواق الخاصة في الفضاء العام، فلماذا استمر المسار الإداري في التقدم حتى شهر يوليوز، قبل أن يتم إبلاغ المنظمين لاحقاً بأن السوق لا يمكن أن يقام؟ ولماذا يمكن لمعارض أخرى أن تجد لنفسها مخرجاً بحجة الشراكة أو طول التاريخ، بينما يصبح السوق المغربي فجأة ضيفاً غير مرغوب فيه؟
والأهم أن القضية لم تعد مجرد خلاف بين جمعية والسلطات المحلية، بعدما دخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، في المجلس البلدي لمدريد، على خط القضية وطالب بتفسيرات رسمية خلال الدورة المقبلة للمجلس البلدي لمنطقة المركز. ويعتبر المستشار الاشتراكي أنطونيو غيرالدو أن استمرار الإجراءات الإدارية حتى يوليوز، قبل إبلاغ المنظمين بعد ذلك بعدم إمكانية إقامة السوق، أمر يستحق التوضيح.
غيرالدو ذهب أبعد من ذلك عندما نسب القرار إلى “دافع سياسي”، وهي قراءة سياسية يتبناها المستشار الاشتراكي، في حين ترفضها بلدية مدريد وتؤكد أن القرار يستند إلى المعايير الجديدة التي وضعتها بشأن استعمال الفضاء العام.
لكن المستشار الاشتراكي لم يكتف بإطلاق هذا التوصيف، بل طالب رئيس منطقة المركز، كارلوس سيغورا، بالكشف عن هذه المعايير الجديدة للرأي العام، حتى يمكن التحقق من كيفية تطبيقها على باقي المعارض والأسواق المنظمة في المنطقة. وهنا تحديداً يصبح الملف أكثر إثارة، لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا أُلغي السوق المغربي؟ بل أصبح أيضاً: ما هي القواعد الجديدة تحديداً، وكيف تطبق، وهل تطبق بالطريقة نفسها على الجميع؟
رئيس الجمعية، رشيد إسماعيلي، يربط القرار مباشرة بالتوتر السياسي حول سبتة المحتلة، ويقول إن الأمر يتعلق بقرار سياسي وبمناخ سياسي لا يريد، بحسب روايته، ظهور مظاهر مرتبطة بالثقافة المغربية في شوارع مدريد. وهذه قراءة من جانب الجمعية، وليست حقيقة أثبتتها السلطات، خصوصاً أن رئيس بلدية مدريد، خوسيه لويس مارتينيز ألميدا، نفى أن يكون القرار مرتبطاً بسبتة، وقال إن الأمر يتعلق بإعادة تنظيم وترشيد استعمال الفضاء العام.
لكن المفارقة الأكثر إثارة أن السوق المغربي لم يكن، وفق منظميه، منصة سياسية ولا تجمعاً احتجاجياً، بل فعالية تضامنية وثقافية كان هدفها مساعدة حرفيين من تعاونيات مغربية على تسويق منتجاتهم بشكل قانوني، إلى جانب خلق فضاء للتعارف المباشر بين الإسبان والمغاربة ومحاولة تفكيك الصور النمطية المتبادلة. أي أن النشاط الذي قيل إنه جاء لمحاربة الأحكام المسبقة، وجد نفسه هو نفسه محاصراً بقرار إداري في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
والأكثر إحراجاً للقرار أن سلطات مدريد تواجه سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل: ماذا عن المعارض الأخرى؟ فالجمعية تشير إلى إقامة معرض للحرفيين في ريكوليتوس، فيما تبرر البلدية ذلك بوجود اتفاقات رسمية وتنظيم مؤسساتي مختلف. كما أن “معرض سوق الحرف اليدوية في مجتمع مدريد” مبرمج لاحقاً، بينما تقول الجمعية إن سوقها الذي استمر عشر سنوات لم يحصل على المعاملة نفسها.
ومن هنا تحولت القضية من مجرد سوق للحرف اليدوية إلى اختبار حقيقي لمدى اتساق القواعد الجديدة. فإذا كان المعيار هو تنظيم الفضاء العام ومنع المنافسة التجارية غير العادلة، فالمطلوب ببساطة أن تكون القاعدة واحدة على الجميع، لا أن تتحول عبارة “إعادة التنظيم” إلى مظلة واسعة تتسع لفعالية وتضيق على أخرى بحسب الجهة المنظمة وهوية المشاركين.
أما أن تتزامن عملية “إعادة التنظيم” مع واحدة من أكثر الأزمات حساسية في العلاقات الإسبانية المغربية خلال السنوات الأخيرة، ثم يُطلب من الجميع التعامل معها باعتبارها مجرد مصادفة إدارية باردة، فذلك يحتاج إلى قدر كبير من حسن النية.
والطريف، أو ربما المؤلم، أن مدريد كانت أمام فرصة سهلة جداً لإرسال رسالة مختلفة: في وقت ترتفع فيه حرارة الخطاب حول الهجرة وسبتة، كان يمكن لمدينة أوروبية كبرى أن تقول إن الحرفي المغربي ليس مهاجراً غير مرغوب فيه، وإن الثقافة المغربية ليست ملفاً أمنياً، وإن التوتر السياسي بين الحكومات لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يفصل المجتمعات.
لكن بدلاً من ذلك، انتهى الأمر بسوق يحمل اسم “المغرب بين الثقافات” إلى خارج جدول المواعيد، بينما بقيت التبريرات الإدارية تتحدث عن ازدحام الفضاء العام والمنافسة التجارية، في وقت وجد فيه المنظمون والحرفيون أنفسهم أمام تكاليف سبق أن أُنفقت على النقل والتأمين والتجهيزات والوثائق ونقل السلع.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد إلغاء فعالية ثقافية. فبالنسبة إلى حرفي مغربي كان قد جهز بضاعته ونظم عملية نقلها واستعد لعرضها في مدريد، فإن إلغاء السوق بعد تقدم الإجراءات يعني خسائر عملية ومباشرة. أما بالنسبة إلى الجمعية المنظمة، فالفاتورة لا تتوقف عند تكاليف التجهيز، بل تمتد إلى الالتزامات التي ترتبت عليها استعداداً لفعالية ظلت، بحسب منظميها، قائمة إلى أن جاء قرار الإلغاء.
وهكذا، يبدو أن بعض الأسواق في مدريد تحتاج إلى أكثر من خيمة ومنصة وحرفيين؛ تحتاج أولاً إلى “اتفاقية” حتى تصبح مقبولة، وإلى تاريخ طويل حتى تحصل على استثناء، وربما إلى توقيت سياسي أفضل حتى لا تتحول فجأة من فعالية ثقافية إلى مشكلة تحتاج إلى حل. أما الحرفي المغربي الذي قطع المسافة بمنتجاته، ودفع تكاليف التنظيم والتأمين، وكان يستعد لبيع ما صنعه بيديه، فقد اكتشف أن أصعب الحدود التي يمكن عبورها ليست دائماً تلك الموجودة على الخريطة… بل تلك التي ترسمها السياسة داخل الساحات العامة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت مدريد تريد فعلاً محاربة الأحكام المسبقة وتعزيز التعايش، فهل يكون إلغاء فعالية مغربية عمرها عشر سنوات هو الطريق إلى ذلك، أم أن “إعادة تنظيم الفضاء العام” أصبحت في هذه الحالة اسماً أكثر أناقة لمعركة سياسية لا تريد السلطات أن تسميها باسمها؟ وهل ستكشف سلطات منطقة المركز فعلاً عن المعايير التي استندت إليها، وتوضح كيف تطبق على مختلف الأسواق والمعارض، أم ستبقى هذه القواعد الجديدة مختبئة خلف أبواب الإدارة بينما يتحمل الحرفيون والمنظمون كلفة القرار؟
وهكذا، في مدريد التي تتغنى بالتعددية والانفتاح، يبدو أن المشكلة لم تعد في السوق ولا في الخيام ولا حتى في ازدحام الأرصفة… بل في أن تكون كلمة “مغربي” مكتوبة على اللافتة! فحين تعجز السياسة عن إغلاق الحدود أمام صورة أو حرفة أو منتج، قد تجد في “إعادة تنظيم الفضاء العام” مفتاحاً سحرياً لإغلاق الباب بهدوء. وبينما يُقال إن الهدف هو محاربة الأحكام المسبقة، يأتي القرار ليمنحها فرصة جديدة كي تتنفس… لكن هذه المرة بقرار إداري، وختم رسمي، وفاتورة يدفعها الحرفي المغربي! وربما كان على السوق المغربي أن يغير اسمه فقط إلى “سوق بلا هوية” حتى يمر من البوابة دون أن يثير حساسية السياسة!
24/09/2026