يضع استمرار الضغط على القدرة الشرائية للأسر مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام تحدي تحقيق توازن بين مواصلة تمويل الدولة الاجتماعية وخلق ظروف اقتصادية تتيح رفع مداخيل المغاربة بشكل مستدام. ورغم تراجع التضخم إلى مستويات محدودة، فإن الأسر لم تستعد بالسرعة نفسها جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية التي تضررت خلال موجة الغلاء، إذ انخفض الرقم الاستدلالي للأسعار بنسبة 0,3 في المائة على أساس سنوي في غشت 2026، بينما يتوقع بنك المغرب تضخما في حدود 0,7 في المائة خلال السنة الجارية و1,5 في المائة سنة 2027، بعد تسجيل 6,6 في المائة سنة 2022 و6,1 في المائة سنة 2023. ويؤكد تراجع مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة في الفصل الثاني من 2026، مقابل 64,4 نقاط في الفصل السابق، استمرار الفجوة بين تحسن المؤشرات العامة والشعور الفعلي بكلفة المعيشة، إذ قالت 78,3 في المائة من الأسر إن مستوى معيشتها تراجع خلال السنة الماضية.
وتدفع هذه المعطيات نحو تجاوز معالجة آثار الغلاء بالتحويلات المالية وحدها، والتركيز أيضا على العوامل التي تتحكم في الأسعار والدخل. ويبرز ضمن ذلك إصلاح أسواق الجملة ومسالك التسويق وتقليص حلقات الوساطة وتعزيز شفافية الأسعار والهوامش، خصوصا أن معطيات مجلس المنافسة بشأن سلسلة الفواكه والخضر تقدر متوسط هامش الوسطاء بنحو 34 في المائة من السعر النهائي، مقابل 30 في المائة للمنتجين. كما لا تمر عبر أسواق الجملة المنظمة، البالغ عددها 38 سوقا، سوى نحو 30 في المائة من الإنتاج الوطني للفواكه والخضر. ويرى الخبير الاقتصادي خليل مسعودي أن تباطؤ التضخم لا يعني تلقائيا استعادة القدرة الشرائية، داعيا إلى تفكيك سلسلة تكوين الأسعار ورقمنة المعاملات وتعزيز الشفافية، بما يحد من الهوامش غير المبررة ويحسن في الوقت نفسه حصة المنتج والمستهلك من القيمة المتداولة.
وفي موازاة ذلك، تواجه الحكومة ضرورة الحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية مع توجيه الاستثمار العمومي نحو خلق الدخل وفرص الشغل، في ظل استفادة نحو 3,9 ملايين أسرة من الدعم الاجتماعي المباشر، بما يزيد على 12,5 مليون شخص، وغلاف سنوي يقارب 29 مليار درهم ابتداء من 2026. وتزداد صعوبة المعادلة مع هدف خفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فيما يتجاوز الاستثمار العمومي المبرمج 380 مليار درهم، رغم استمرار تحديات سوق الشغل، خاصة مع بلوغ بطالة الشباب 27,2 في المائة ومعدل مشاركة النساء 18,1 في المائة. ويعتبر الخبير الاقتصادي محمد يازيدي شافعي أن الرهان الأساسي يتمثل في ربط الاستثمار بقدرته على خلق وظائف وقيمة مضافة محلية، بما يسمح بتحويل الإنفاق العمومي إلى أجور ومداخيل وفرص اقتصادية، لتنتقل ميزانية 2027 تدريجيا من معالجة آثار الغلاء إلى دعم مصادر دخل أكثر استدامة.
07/10/2026