لم تمر دورة أكتوبر لمجلس جماعة الدار البيضاء ، يومه الأربعاء 7 اكتوبر الجاري ، كما تمر عادة الدورات “العادية”، بعدما ألقت نتائج انتخابات 23 شتنبر بظلالها على أجواء الجلسة، وكأن صناديق الاقتراع قررت تمديد إقامتها قليلاً داخل قاعة المجلس. فبدل أن يكون جدول الأعمال هو النجم الرئيسي، خطفت الحسابات السياسية الأضواء، ووجدت مكونات المجلس نفسها أمام نقاشات ساخنة بين الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
الدورة، التي كان يفترض أن تنشغل بملفات المدينة، تحولت في بعض لحظاتها إلى ما يشبه “حصة إضافية” من النقاش الانتخابي، وكأن صناديق الاقتراع أغلقت فعلاً، لكن بعض حساباتها قررت الانتقال إلى المجلس. ومع غياب العمدة نبيلة الرميلي، ارتفعت حرارة المداخلات، وبرزت خلافات بين بعض مكونات الأغلبية، في مشهد أعاد سؤال تماسك التحالف إلى الواجهة من جديد.
وخلال النقاش، حضرت اتهامات بتسييس المجلس، وأثيرت قضايا وملفات مرتبطة بالفساد، إلى جانب ما بات يعرف في السجال بـ”صاك طنجة”. وهكذا وجد المجلس نفسه أمام خلطة سياسية لافتة: جدول أعمال إداري، ونتائج انتخابية حديثة، وخلافات حزبية، واتهامات متبادلة، وكل ذلك في جلسة يفترض أنها جاءت أساساً لتدبير شؤون العاصمة الاقتصادية.
وبدا أن انتخابات 23 شتنبر لم تكتفِ بإعلان النتائج وتوزيع المقاعد، بل تركت وراءها بعض “الأمتعة السياسية” داخل المجلس. فالمنافسة الانتخابية التي كان يفترض أن تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، يبدو أن جزءاً منها وجد طريقه إلى المؤسسة المنتخبة، حيث تداخلت الحسابات الحزبية مع النقاش حول تدبير الشأن المحلي، في وقت تنتظر فيه ساكنة الدار البيضاء أجوبة عن ملفاتها اليومية.
لكن للأغلبية رواية أخرى. فقد نفى نائب العمدة وجود أي “مزايدات سياسية”، واعتبر أن ما وقع لا يتجاوز نقاشاً حاداً وعادياً بين المنتخبين، مؤكداً أن الجميع عاد في نهاية المطاف إلى التصويت على النقط المدرجة في جدول الأعمال. وبمعنى آخر، لا داعي للقلق: ارتفعت الأصوات قليلاً، واحتد النقاش، ثم عادت الأمور إلى مجراها… وانتهى الأمر بالتصويت.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل المشهد أكثر إثارة: ما يراه البعض سجالاً سياسياً مرتبطاً بتداعيات الانتخابات، تصفه الأغلبية بأنه مجرد “نقاش حاد وعادي”. وبين الروايتين، بقيت قاعة المجلس شاهدة على حرارة المداخلات، فيما ظلت الدار البيضاء نفسها تنتظر معرفة ما إذا كانت هذه الحرارة السياسية ستتحول، ولو قليلاً، إلى حرارة في الإنجاز والعمل الميداني.
واللافت أن كل هذا النقاش جرى في دورة تحمل جدول أعمال ثقيلاً، يضم عشرات النقط المرتبطة بالملفات المالية والعقارية والخدماتية والمشاريع والاتفاقيات. وهي ملفات تحتاج، في العادة، إلى الكثير من الوقت والتركيز، لكن السياسة تعرف جيداً كيف تدخل من الباب حتى عندما لا تكون مدرجة في جدول الأعمال.
أما الدار البيضاء، فمشاكلها اليومية لا تحتاج إلى انتخابات جديدة كي تظهر: النقل، والنظافة، والتهيئة، والخدمات، والمشاريع، وغيرها من الملفات التي ينتظر فيها المواطن نتائج ملموسة. فالبيضاوي لا يعنيه كثيراً من “كلاش” مع من، ولا من سجل نقطة سياسية على حساب الآخر؛ ما يهمه هو أن يرى شيئاً يتحرك خارج قاعة المجلس، لا أن يسمع فقط ما يتحرك داخلها.
وبطبيعة الحال، فالاختلاف داخل المجلس ليس عيباً، بل هو جزء طبيعي من العمل المؤسساتي، والنقاش الحاد يمكن أن يكون مفيداً عندما يتعلق بمراقبة التدبير ومناقشة المال العام والقرارات التي تهم المواطنين. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح النقاش نفسه هو الحدث، بينما تتراجع الملفات التي يفترض أن تكون محور الاجتماع إلى الصفوف الخلفية.
أما “صاك طنجة”، الذي دخل إلى قلب السجال، فقد أضاف جرعة أخرى إلى نقاش كان أصلاً ساخناً، وحوّل قاعة المجلس إلى ما يشبه “محكمة سياسية”، يصدر فيها الحكم بمجرد ارتفاع نبرة الصوت.
وفي النهاية، كشفت دورة أكتوبر أن انتخابات 23 شتنبر ربما لم تغادر المشهد تماماً، وإنما غيرت فقط مكانها. فبعد أن كانت في مراكز الاقتراع، يبدو أنها وجدت لنفسها مقعداً داخل المجلس، وقررت متابعة النقاش من الصفوف الأمامية، ولو أن أصحابها يؤكدون أن الأمر لا يعدو أن يكون “نقاشاً عادياً”.
والخلاصة الأكثر تهكماً أن التحالف المسير للمدينة يبدو في حاجة، بين الفينة والأخرى، إلى جلسة لتدبير شؤونه هو أيضاً. أما الدار البيضاء، بكل مشاكلها وانتظارات سكانها، فتظل جالسة في الصف، تنتظر دورها في هذه المسرحية السياسية الطويلة.
وفي انتظار ذلك، يمكن للمنتخبين أن يواصلوا النقاش، وأن يرفعوا سقف المداخلات، وأن يختلفوا ثم يتفقوا، وأن يصوتوا في النهاية على جدول الأعمال. أما البيضاويون، فربما يكتفون بالسؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى جدول أعمال ولا إلى تحالفات: متى تبدأ سخونة المداخلات في الظهور فعلاً على أرض الواقع؟
