في سن الثانية والثمانين، جاء التتويج العلمي الكبير للفيزيائي البلجيكي فرانسيس هالزن، الذي فاز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، تقديراً لإسهاماته الحاسمة في اكتشاف جسيمات دون ذرية عالية الطاقة، وخصوصاً النيوترينوات ذات الأصل الفيزيائي الفلكي، في إنجاز علمي فتح نافذة جديدة على أعماق الكون وأصوله.
هالزن، الأستاذ في جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة، وضع منذ ثمانينيات القرن الماضي الأسس العلمية لما أصبح لاحقاً مرصد “آيس كيوب” لرصد النيوترينوات في القطب الجنوبي، وهو مشروع علمي طموح مكّن الباحثين من دراسة جسيمات نادرة قادمة من أعماق الفضاء، وفتح الطريق أمام نوع جديد من علم الفلك يعتمد على ما تحمله هذه الجسيمات من أسرار كونية.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أن النيوترينوات تُعد من أكثر الجسيمات مراوغة في الطبيعة، حتى إنها اكتسبت لقب “الجسيمات الشبحية”، بسبب قدرتها الكبيرة على اختراق المادة ونادراً ما تتفاعل معها. وهي جسيمات ذات كتلة ضئيلة جداً، تتحرك بسرعة تقترب من سرعة الضوء، وتنشأ من ظواهر كونية شديدة العنف، كما تتولد أيضاً من التفاعلات النووية داخل الشمس ومن انفجارات النجوم.
وكان هالزن قد طرح سنة 1988 فكرة استغلال جليد القارة القطبية الجنوبية لرصد هذه الجسيمات الغامضة، في تصور علمي احتاج إلى عقود حتى يتحول إلى مشروع متكامل. وبعد سنوات من العمل، اكتمل بناء مرصد “آيس كيوب” سنة 2011، ليصبح واحداً من أبرز المنشآت العلمية المخصصة لرصد النيوترينوات ودراسة مصادرها والظواهر الكونية العنيفة التي تقف وراء إنتاجها.
والمرصد عبارة عن منشأة عملاقة مدفونة داخل جليد القطب الجنوبي، تمتد على حجم يقارب كيلومتراً مكعباً، وتضم أكثر من خمسة آلاف جهاز استشعار للضوء. وتعمل هذه الأجهزة على التقاط الآثار التي تتركها النيوترينوات أثناء مرورها عبر الجليد، بما يسمح للعلماء بتحديد مصادرها ودراسة خصائصها، في محاولة لفهم أحداث كونية تقع على مسافات هائلة من الأرض.
وبفضل هذا المرصد، تمكن هالزن وفريقه من رصد نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل فيزيائي فلكي، وهو ما اعتبرته الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم خطوة أساسية نحو بناء “نوع جديد تماماً من علم الفلك”، لا يعتمد على الضوء وحده لفهم الكون، وإنما يستفيد أيضاً من الجسيمات القادمة من أكثر المناطق عنفاً وغموضاً في الفضاء.
وعند تلقيه خبر فوزه بالجائزة أثناء وجوده في إيطاليا، عبّر هالزن عن سعادته البالغة، مؤكداً أن الإعلان شكّل مفاجأة كبيرة بالنسبة إليه، خصوصاً أنه لم يكن يتوقع الحصول على أرفع جائزة علمية في العالم وهو في سن الثانية والثمانين. وولد الفيزيائي البلجيكي في مدينة تينن، ويُعد الفائز البلجيكي الحادي عشر بجائزة نوبل، والثاني من بلاده الذي ينال جائزة نوبل في الفيزياء.
وبهذا التتويج، لا تبدو جائزة نوبل بالنسبة إلى فرانسيس هالزن مجرد مكافأة عن عقود من البحث، بل اعترافاً برحلة علمية بدأت بفكرة بدت في ثمانينيات القرن الماضي أقرب إلى المغامرة: تحويل جليد القطب الجنوبي إلى نافذة ترصد ما لا تستطيع التلسكوبات رؤيته. واليوم، أصبحت “الجسيمات الشبحية” القادمة من أقصى أعماق الكون تحمل للعلماء رسائل من أماكن بعيدة لا يزال معظم أسرارها مجهولاً. وبينما يقترب هالزن من نهاية مسيرته العلمية، تترك اكتشافاته أمام البشرية سؤالاً أكبر من الجائزة نفسها: كم من أسرار الكون ما زال مختبئاً في الظلام، بانتظار من يملك الجرأة على البحث عنه؟
07/10/2026