لم يعد ملف أنفاق المخدرات التي تربط سبتة المحتلة بالمغرب مجرد حكاية عن مهربين يحفرون في الظلام بحثا عن أقصر طريق لتمرير المخدرات، بعدما بدأت التحقيقات الإسبانية تكشف وجها أكثر غرابة وإحراجا، عنوانه اختلاط عالم الجريمة المنظمة ببعض عناصر الأجهزة الأمنية، في مشهد يكاد يوحي بأن الحدود لم تكن دائما بحاجة إلى مطرقة أو جرافة لخرقها، بل ربما كان يكفي أحيانا هاتف، وعلاقة قديمة، ودعوة إلى حفلة.
فبحسب المعطيات، فإن أنخيل ألباراسين، وهو عنصر سابق في الحرس المدني الإسباني وأحد المتهمين البارزين في قضية النفق الثاني لتهريب المخدرات في سبتة المحتلة، كان ينظم حفلات داخل فيلته بمدينة شيكلانا في إقليم قادس، بحضور شخصيات مرتبطة بعالم تهريب المخدرات في مضيق جبل طارق، إلى جانب أفراد من الأجهزة الأمنية الإسبانية.
وهنا تبدأ القصة في أخذ منحى لا يخلو من السخرية الثقيلة؛ فبدلا من أن تكون العلاقة بين المهربين ورجال الأمن قائمة على المطاردة والاستجواب والمحاضر، تكشف التحقيقات عن أجواء أقرب إلى شبكة علاقات اجتماعية، حيث يجتمع من يفترض أن يلاحقوا الجريمة مع أشخاص تحوم حولهم شبهات الارتباط بها. وكأن مكافحة المخدرات يمكن أن تبدأ أحيانا من قائمة المدعوين إلى الحفلات!
والأخطر من ذلك أن التحقيقات التي تشرف عليها المحكمة الوطنية الإسبانية تبحث في احتمال وجود موظفين أمنيين آخرين كانوا يعملون لصالح التنظيم الإجرامي مقابل أموال، بهدف تسهيل إدخال المخدرات وتوفير الحماية لشبكة التهريب.
والمشهد الذي بدأ يتشكل أمام المحققين لا يتعلق، وفق المعطيات المنشورة، بمجرد لقاء عابر بين رجال أمن وأشخاص مشتبه في ارتباطهم بالجريمة، بل بشبكة علاقات استُخدمت، بحسب التحقيقات، لإظهار حجم النفوذ الذي كان يتمتع به ألباراسين داخل الأجهزة الأمنية، واستعمال تلك العلاقات كواجهة لاستقطاب شركاء محتملين في صفقات مرتبطة بالمخدرات.
وتشير المعطيات إلى أن بعض الحفلات التي كان ينظمها ألباراسين شهدت حضور مسؤولين سابقين أو عناصر مرتبطة بوحدة “أوكون سور”، وهي وحدة متخصصة في مكافحة تهريب المخدرات كانت وزارة الداخلية الإسبانية قد قررت تفكيكها سنة 2022.
وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: وحدة متخصصة في مكافحة المخدرات، ومسؤولون أو عناصر من محيطها، وشخص متهم بالارتباط بشبكة تهريب، وحفلات في فيلا خاصة… وكل ذلك في المشهد نفسه. أما السؤال عما إذا كان الجميع يعرفون مع من يجلسون، فذلك بالضبط ما تحاول التحقيقات الإجابة عنه.
ولا تزال التحقيقات تحاول تحديد ما إذا كان هؤلاء العناصر يعرفون حقيقة طبيعة اللقاءات التي كانوا يحضرونها، أم أن المتهم كان يستغل وجودهم لإضفاء مظهر من النفوذ والحماية على علاقاته داخل الأجهزة الأمنية. وبمعنى آخر: هل كانت الحفلات مجرد حفلات، أم أنها كانت، بحسب ما تشتبه به التحقيقات، جزءا من “عرض نفوذ” هدفه إقناع الآخرين بأن الأبواب الأمنية يمكن أن تفتح أيضا خارج المكاتب الرسمية؟
لكن القضية لم تتوقف عند حدود الحفلات والعلاقات المشبوهة، إذ إن حجم المخدرات التي يُعتقد أن الشبكة تمكنت من إدخالها إلى البر الإسباني، ثم توزيعها في مناطق أوروبية مختلفة، دفع قاضي التحقيق أنطونيو بينيا إلى الاشتباه في احتمال وجود عناصر أمنية إضافية قدمت دعما أو غطاء للشبكة.
ولهذا السبب، طلب القاضي من وحدة الشؤون الداخلية التابعة للحرس المدني التحقيق في علاقات ألباراسين بزملائه السابقين، في وقت كشفت فيه تحقيقات وحدة مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة عن لقاءات جمعت المتهم بأشخاص من داخل الأجهزة الأمنية، بينهم عنصران من وحدة العمليات المركزية “UCO”.
والأكثر إثارة أن ألباراسين حاول أمام قاضي التحقيق تقديم رواية مختلفة، مدعيا أن علاقته بمصطفى بروزي، الذي تعتبره الأجهزة الأمنية الإسبانية صاحب النفقين المكتشفين بين سبتة المحتلة وباقي التراب الوطني، جاءت بناء على طلب من الحرس المدني نفسه، بهدف تحويله إلى مصدر معلومات.
رواية تجعل الملف أكثر غرابة، لأن الرجل الذي بات متهما بالارتباط بشبكة تهريب يقول إن علاقته بأحد أبرز المشتبه فيهم بدأت أصلا في إطار مهمة أمنية. وهكذا يتحول السؤال من “كيف دخل المهربون؟” إلى سؤال أكثر إحراجا: من كان يراقب من؟
غير أن التحقيقات والتسجيلات التي جرى جمعها في الملف دفعت القضاء إلى التشكيك في هذه الرواية، خصوصا بعدما ظهر في أحد التسجيلات صوت ألباراسين وهو يقول عبارة صادمة: “أنا لست فاسدا، أنا مهرب”.
وإذا صحت نسبة هذه العبارة إليه كما وردت في التحقيقات، فإنها تختصر حجم المفارقة في هذا الملف: رجل كان ينتمي سابقا إلى جهاز أمني يفترض أن مهمته مكافحة الجريمة، ثم يظهر اسمه في قضية تهريب مخدرات، فيما تصبح علاقاته السابقة داخل الجهاز نفسه جزءا من التحقيق.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الأجهزة الأمنية أن عناصرها لم تكن تعلم طبيعة التحقيقات أو النشاط الإجرامي المحيط بتلك اللقاءات، تطرح التحقيقات نفسها أسئلة أكثر إزعاجا: كيف يمكن لشخص متقاعد من جهاز أمني أن يتحول إلى حلقة وصل داخل شبكة لتهريب المخدرات، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع عناصر ومسؤولين سابقين في الأجهزة نفسها؟
وتزداد القضية ثقلا مع معطيات تفيد بأن الشرطة تعتبر ألباراسين موزعا لمخدرات بروزي ووسيطا بين الشبكة والمشترين، بل وتشتبه في أنه كان يحتفظ أحيانا بجزء من المخدرات ويعيد إدخالها إلى السوق لتحقيق أرباح كبيرة.
كما سبق أن ارتبط اسمه بقضيتين تتعلقان بتهريب المخدرات، قبل أن يتم حفظهما بسبب بطلان في الإجراءات، بينما غادر الحرس المدني في سن مبكرة نسبيا بسبب فقدان قدراته النفسية والجسدية المطلوبة لمواصلة الخدمة.
وهنا تبرز المفارقة التي تجعل ملف سبتة المحتلة أكثر إحراجا للمؤسسة الأمنية الإسبانية: ففي الوقت الذي تشدد فيه السلطات الإسبانية على حماية الحدود الوهمية ومحاربة شبكات المخدرات والهجرة والجريمة المنظمة، تكشف التحقيقات أن أحد المتهمين الرئيسيين في شبكة أنفاق المخدرات كان، وفق معطيات الملف، يتحرك داخل دائرة من العلاقات الأمنية التي فتحت له أبواب النفوذ والاتصال.
فالحدود المزعومة، كما يقال، محمية بالأسلاك والكاميرات والدوريات. لكن يبدو، وفق ما تبحث فيه التحقيقات، أن هناك حدودا أخرى لا تحميها الكاميرات بسهولة: حدود العلاقات والنفوذ والمجاملات والهواتف التي تعرف أصحابها جيدا.
وبينما تحاول التحقيقات تحديد المسؤوليات الفردية بدقة، يبقى السؤال الأكبر معلقا فوق سبتة المحتلة: هل كان النفق مجرد ممر تحت الأرض لعبور المخدرات، أم أن التحقيقات بدأت تكشف عن “نفق آخر” أكثر خطورة، يمر هذه المرة عبر العلاقات والنفوذ داخل بعض دوائر الأجهزة الأمنية الإسبانية؟
فالنفق الأول كان تحت الأرض، محفورا في الظلام، أما النفق الثاني فقد يكون، بحسب ما ستكشفه التحقيقات، أكثر أناقة وأقل حاجة إلى الحفر: علاقات، لقاءات، حفلات واتصالات تفتح الطريق من دون جرافات ولا ضجيج.
وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يحرج المنظومة الأمنية الإسبانية في هذه القضية ليس وجود نفق تحت الأرض فحسب، بل احتمال وجود شبكة علاقات فوق الأرض جعلت بعض أبواب النفوذ مفتوحة أمام من يفترض أن يكونوا في الجهة المقابلة.
والقضية لم تصل بعد إلى نهايتها، لكن المؤكد أن ما يجري في ملف سبتة المحتلة لم يعد مجرد مطاردة لمهربي المخدرات، بل تحقيقا في سؤال أكثر حساسية وإحراجا: من كان يحرس الحدود، ومن كان يعرف طريق الأنفاق؟
07/10/2026