لم يعد المغرب يكتفي باقتناء التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، بل يتجه بخطى متسارعة نحو بناء قدراته الخاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والتصنيع الدفاعي، في تحول يضع المملكة أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: امتلاك التكنولوجيا وتطويرها على أرض الوطن.
وفي قلب هذا التحول، يبرز اسم مغربي لافت، هو معاذ المغاري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “هارماتان إيه آي” الفرنسية، التي تحولت خلال فترة وجيزة إلى واحدة من الشركات الصاعدة في مجال تكنولوجيا الدفاع والأنظمة الذاتية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وفي يونيو الماضي، أعلنت “هارماتان إيه آي” توقيع شراكة استراتيجية مع القوات المسلحة الملكية، تضمنت وضع أسس لتطوير قدرات تصنيع محلية في المغرب، وإنشاء مركز للبحث والتطوير متخصص في الذكاء الاصطناعي المطبق على أنظمة الدفاع، إلى جانب إقامة شراكات مع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي المغربية.
لكن التطور الأبرز جاء اليوم، 7 أكتوبر 2026، من معرض مراكش للطيران، حيث جرى توقيع اتفاق جديد يتعلق باقتناء وتطوير وإنتاج أنظمة “إيريفي” في المغرب، بما يعكس انتقال التعاون من مرحلة الإعلان عن شراكة استراتيجية إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالتصنيع والتطوير المحلي.
واللافت في هذه القصة ليس الجانب الصناعي والتكنولوجي وحده، وإنما أيضاً الشخصية التي تقف وراء الشركة الفرنسية. فمعاذ المغاري، المغربي-الفرنسي، نجح في بناء شركة متخصصة في تكنولوجيا الدفاع والذكاء الاصطناعي، قبل أن تصبح شركته طرفاً في تعاون استراتيجي مع القوات المسلحة الملكية، وتبدأ في بناء حضور صناعي وهندسي داخل المغرب.
وتكشف المعطيات المنشورة خلال الأشهر الماضية أن المشروع المغربي لا يتجه نحو مجرد تركيب منتجات جاهزة، بل نحو بناء منظومة هندسية وصناعية متكاملة. فقد شرعت الشركة في الرباط في استقطاب مهندسين وكفاءات متخصصة في هندسة الأنظمة الجوية والبرمجيات والرؤية الحاسوبية ودمج المستشعرات، إلى جانب وظائف مرتبطة بالجودة وسلاسل الإمداد والإنتاج.
وهنا تكمن أهمية الشراكة بالنسبة إلى المغرب، فالرهان لا يتعلق فقط بالحصول على أنظمة حديثة، وإنما بتحويل المملكة إلى فضاء لإنتاج وتطوير جزء من التكنولوجيا نفسها، مع نقل المعرفة وتكوين الكفاءات وفتح المجال أمام البحث العلمي المغربي للانخراط في واحد من أكثر القطاعات التكنولوجية تطوراً في العالم.
كما أن اختيار الرباط لتكون قاعدة هندسية وصناعية للشركة يحمل دلالة إضافية، بعدما أعلنت “هارماتان إيه آي” عن توجهها إلى بناء قدرات إنتاجية في المغرب، مع منح موقعها المغربي وظيفة تتجاوز السوق المحلية لتشمل التصنيع والقدرات الصناعية الموجهة إلى إفريقيا والشرق الأوسط.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع تعمل فيه المملكة منذ سنوات على بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها الصناعية وتنامي الاستثمار في الصناعات ذات القيمة التكنولوجية العالية.
أما “هارماتان إيه آي”، فقد عززت حضورها الدولي خلال الفترة الأخيرة، وحصلت على استثمارات كبيرة، من بينها جولة تمويل بقيمة 200 مليون دولار قادتها شركة “داسو للطيران”، بما رفع قيمة الشركة إلى نحو 1.4 مليار دولار، وفق المعطيات المنشورة بشأن الجولة. كما سبق لها الفوز بعقد مع وزارة القوات المسلحة الفرنسية لتوفير ألف طائرة مسيرة صغيرة للجيش الفرنسي.
وبذلك، فإن ما يجري في المغرب يتجاوز قصة شركة فرنسية أسسها مغربي، أو مجرد عقد جديد في مجال التكنولوجيا الدفاعية. إنها قصة انتقال تدريجي من منطق شراء التكنولوجيا إلى منطق المشاركة في صناعتها وتطويرها، ومن استيراد الحلول إلى بناء المعرفة والكفاءات والبنية الصناعية القادرة على إنتاجها.
وفي هذه المعادلة، يظهر معاذ المغاري كأحد الوجوه المغربية التي استطاعت أن تنتقل من فضاء الكفاءات المهاجرة إلى موقع صناعة التكنولوجيا المتقدمة، قبل أن تعود هذه التكنولوجيا نفسها إلى المغرب عبر بوابة شراكة استراتيجية مع القوات المسلحة الملكية.
والمغزى الأعمق للاتفاق لا يكمن فقط في الأنظمة التي سيتم تطويرها أو تصنيعها، وإنما في ما وراءها: مختبرات، مهندسون، برمجيات، ذكاء اصطناعي، صناعة محلية، وشراكات مع الجامعات. أي أن الرهان الحقيقي هو بناء القدرة على صناعة التكنولوجيا، لا الاكتفاء بشرائها.
وهكذا، يفتح المغرب صفحة جديدة في مسار صناعته الدفاعية، صفحة عنوانها الذكاء الاصطناعي والسيادة التكنولوجية، ويكتب أحد فصولها اسم مغربي بدأ مشروعه في فرنسا، قبل أن يجد طريقه اليوم إلى المغرب، حيث تتحول الفكرة إلى صناعة، والصناعة إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة وطنية.
07/10/2026