kawalisrif@hotmail.com

من اعتراف وزير الداخلية الميداوي إلى انتخابات 2026 … المال والسماسرة والقوافل في قلب جدل الانتخابات التشريعية

من اعتراف وزير الداخلية الميداوي إلى انتخابات 2026 … المال والسماسرة والقوافل في قلب جدل الانتخابات التشريعية

منذ سنوات، لم يعد الحديث عن تأثير المال في الانتخابات المغربية مجرد نقاش عابر، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا التي تعود إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي، خصوصاً عندما تظهر ممارسات تثير تساؤلات حول حدود المنافسة السياسية، ودور الوسطاء، ومدى حضور البرامج والخطابات في صناعة الاختيار الانتخابي.

وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة موقف سابق لوزير الداخلية الأسبق أحمد الميداوي، الذي أقر، قبل أكثر من عقدين بحضور المال في الانتخابات، في تصريح اعتُبر آنذاك لافتاً بالنظر إلى موقع صاحبه ومسؤوليته عن تدبير الانتخابات.

أهمية كلام الميداوي اليوم لا تكمن فقط في قدمه، وإنما في كونه يعيد طرح سؤال ظل مطروحاً على امتداد سنوات: هل تمكنت الممارسة الانتخابية من تجاوز نفوذ المال والوسطاء، أم أن الأدوات تغيرت بينما بقي جوهر الظاهرة حاضراً بأشكال مختلفة؟

ومع انتخابات 23 شتنبر 2026، عاد هذا النقاش بقوة، خصوصاً بعد تسجيل وقائع وخروقات انتخابية بمدينة طنجة، دفعت وزارة الداخلية إلى إيفاد لجنة تفتيش مركزية للتحري في ما جرى داخل مكتبين للتصويت، مع تأكيدها أن نتائج البحث ستحدد المسؤوليات والإجراءات القانونية اللازمة.

كما فتحت النيابة العامة تحقيقاً في وقائع مرتبطة بالعملية الانتخابية في طنجة، في وقت تحدثت تقارير عن العثور على أوراق اقتراع مصوت عليها خارج أحد مكاتب التصويت، وهي قضية أخذت مساراً قضائياً.

هذه التطورات لا تعني، بطبيعة الحال، أن كل ما يروج حول استعمال المال أو الوسطاء في الانتخابات صحيح، لكنها تجعل النقاش حول نزاهة العملية الانتخابية أكثر إلحاحاً، وتعيد إلى الواجهة الأسئلة التي سبق أن أثارها مسؤولون ومراقبون وسياسيون حول علاقة المال بالمنافسة الانتخابية.

واللافت أن «خارطة الطريق» التي ينتقدها خصوم بعض المرشحين لا تبدأ، بحسب هذا الطرح، من البرنامج الانتخابي أو من عرض المشاريع والتصورات، وإنما من بناء شبكة انتخابية تضم وسطاء وسماسرة، ثم حشد الأنصار وتنظيم القوافل واستعراض السيارات في الأسواق والمناطق ذات الكثافة السكانية.

بعد ذلك، تأتي مرحلة أخرى تقوم على تعبئة ما يُوصف بجيوش من المروجين والموالين، الذين يتولون تقديم المرشح للناخبين والدعاية له، وأحياناً تحويل الحملة الانتخابية إلى مشهد احتفالي يطغى فيه الهتاف والمديح على النقاش السياسي.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: مرشح يريد الوصول إلى البرلمان، لكن برنامجه لا يكون بالضرورة هو عنوان حملته؛ بل قد تصبح القدرة على حشد الناس، وتوفير الوسطاء، وتنظيم القوافل، وصناعة صورة انتخابية قوية، هي العنوان الأبرز للمنافسة.

أما أخطر ما يثار في هذا السياق، فيتعلق بالحديث عن استعمال المال لاستمالة الناخبين أو التأثير في اختياراتهم. وهذه النقطة تحديداً تستدعي العودة إلى كلام الميداوي، لأن الاعتراف السابق بحضور المال في الانتخابات يكشف أن الظاهرة ليست وليدة الاستحقاقات الحالية، وإنما كانت موضوعاً مطروحاً على أعلى مستويات تدبير العملية الانتخابية منذ سنوات.

لكن الجديد في نظر منتقدين هو أن أساليب التأثير تغيرت، وأصبحت أكثر قدرة على التخفي خلف مظاهر قانونية أو اجتماعية، مثل تنظيم التجمعات، واستعمال شبكات العلاقات، وتعبئة الوسطاء، وتقديم مساعدات أو هدايا، وهي ممارسات تختلف درجة مشروعيتها القانونية بحسب طبيعتها وسياقها، ولا يجوز الجزم بشأنها إلا بناءً على وقائع وأدلة.

وفي طنجة تحديداً، سبق أن نشرت تقارير قبل الانتخابات معطيات عن تحركات مرتبطة بتمويل حملات انتخابية وجمع مساهمات مالية من فاعلين اقتصاديين ومنعشين عقاريين، وهي معطيات نُسبت إلى مصادر خاصة ولا تشكل في حد ذاتها دليلاً قضائياً على ارتكاب مخالفات.

كما أن مراقبة انتخابات 2026 سجلت وجود اتهامات متعلقة بتوزيع الأموال أو الهدايا، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن جزءاً من المحتوى المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن قابلاً للتحقق الميداني.

وهنا تتجاوز القضية حدود مرشح أو حزب بعينه، لتطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل العملية الانتخابية نفسها: هل يستطيع البرنامج السياسي أن ينافس المال؟ وهل يستطيع المرشح الذي يعتمد على الخطاب والأفكار أن يواجه مرشحاً يمتلك شبكة واسعة من الوسطاء والإمكانات؟

إن كلام الميداوي، بعد مرور سنوات على إقراره بحضور المال في الانتخابات، يبدو اليوم وكأنه يفتح نافذة على مشكلة أقدم من أي استحقاق انتخابي بعينه. أما وقائع 2026، بما حملته من جدل وتحقيقات وشكايات وانتقادات، فتمنح هذا النقاش أسباباً جديدة للعودة إلى الواجهة.

ويبقى الرهان الحقيقي في أن تكون صناديق الاقتراع مجالاً لاختيار البرامج والكفاءات والمواقف، وأن يظل المواطن هو صاحب القرار النهائي، بعيداً عن أي ضغط أو إغراء أو وساطة. فالبرلمان لا يحتاج فقط إلى من يستطيع الوصول إليه، وإنما إلى من يستطيع، بعد الوصول، أن يقدم الحساب للناخبين عن مواقفه وأدائه وتمثيله لمصالحهم.

08/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts