في ميناء بني أنصار بالناظور، لم تعد المشكلة في العثور على السمك وسط مياه البحر، بل في القدرة على الوصول إليه أصلاً! فمراكب الصيد بالجر، التي اعتادت شق الأمواج بحثاً عن الرزق، وجدت نفسها، الخميس 8 أكتوبر 2026، مضطرة إلى التوقف عن الإبحار، بعدما تحولت كلفة المحروقات إلى عبء يهدد استمرارية النشاط ويضع المهنيين أمام معادلة قاسية: إما الخروج إلى البحر وتكبّد الخسائر، أو البقاء في الميناء وانتظار المجهول.
هكذا دخل سمك الناظور، على نحو ساخر ومؤلم، في إجازة لم يختر موعدها ولا مدتها، بينما وجد البحارة أنفسهم أمام توقف اضطراري فرضته حسابات اقتصادية لم تعد ترحم. فالقرار الجماعي بتوقيف نشاط مراكب الصيد الساحلي بالجر لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل رسالة إنذار قوية بشأن الاختناق الذي يضرب قطاعاً يرتبط برزق عشرات الأسر وبحركية اقتصادية تتجاوز حدود الميناء.
وحسب معطيات مهنية أوردتها صحيفة “البحرنيوز”، فإن الارتفاع الكبير في أسعار الغازوال، إلى جانب تكاليف التموين والمؤونة وباقي المصاريف التشغيلية، جعل رحلات الصيد تفقد جدواها الاقتصادية. فالمداخيل التي يُفترض أن تغطي نفقات الإبحار وتضمن هامشاً من الربح، باتت تستنزفها الفواتير قبل أن تصل إلى أصحاب المراكب والبحارة، لتتحول رحلات الصيد اليومية إلى مغامرة مالية قد تنتهي بخسائر إضافية.
والأكثر قسوة أن الأزمة لا تتوقف عند أصحاب المراكب والمجهزين، بل تمتد إلى البحارة الذين يواجهون مشقة العمل في عرض البحر وأعباء الحياة اليومية على اليابسة. فوفق نظام “الباي” المعمول به في تصفية الحسابات، تُخصم تكاليف المحروقات والمصاريف المشتركة من إجمالي المبيعات قبل توزيع المتبقي على أفراد الطاقم. وكلما ارتفعت كلفة الإبحار، تقلصت الحصص التي تعود إلى جيوب البحارة، حتى أصبح الجهد المبذول وسط الأمواج لا يضمن بالضرورة دخلاً يكفي لتلبية الحاجيات الأساسية للأسر.
وهنا تتكشف المفارقة التي تختصر مأساة القطاع: البحار يتحمل مخاطر البحر، ويواجه تقلبات الطقس، ويقضي ساعات طويلة في العمل، لكنه يجد نفسه في نهاية الرحلة رهينة فاتورة الغازوال. وحين تتجاوز المصاريف المداخيل، لا يعود الصيد نشاطاً منتجاً، بل مغامرة قد تزيد أصحابها غرقاً في الخسائر بدل انتشالهم منها.
إن توقف مراكب بني أنصار يضع الجهات الحكومية والوزارة الوصية على قطاع الصيد البحري أمام اختبار حقيقي. فالمهنيون يطالبون بتدخل عاجل، ودعم استثنائي يخفف ضغط المحروقات، إلى جانب تسقيف أسعار الوقود المخصص للصيد، بما يضمن الحد الأدنى من التوازن بين كلفة الرحلات ومداخيلها. وهي مطالب لم تعد تحتمل التأجيل، خصوصاً أن استمرار الوضع الحالي ينذر بتعطيل مزيد من المراكب وتوسيع دائرة المتضررين.
ولا يمكن التعامل مع هذا التوقف باعتباره شأناً مهنياً محدوداً أو خلافاً عابراً حول تكاليف التشغيل، لأن تداعياته المحتملة قد تمتد إلى أسواق السمك وحركة البيع والشراء ومداخيل الأسر التي تعتمد على نشاط الميناء. فحين تتوقف المراكب، لا يتوقف معها محرك واحد فحسب، بل تتعطل سلسلة من الأنشطة ومصادر الرزق التي تبدأ من البحر ولا تنتهي عند رصيف الميناء.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن مطالبة البحارة بمواصلة الإنتاج إذا كانت كلفة الوصول إلى المصطادات تلتهم عائدات الرحلات؟ وأي معنى لاستمرار الأسطول في العمل إذا أصبح الإبحار مرادفاً لاحتمال الخسارة؟ إن ترك المهنيين وحدهم في مواجهة هذا الاختناق لا يعالج الأزمة، بل يفاقمها ويجعل استئناف النشاط أكثر صعوبة وكلفة.
في الناظور، لا تحتاج الأزمة إلى مزيد من التصريحات بقدر ما تحتاج إلى قرارات عملية وحلول قابلة للتنفيذ. فالبحر لا ينتظر اجتماعات المسؤولين، والالتزامات العائلية للبحارة لا تدخل في عطلة، والأسواق لا تستطيع تجاهل مصير قطاع يساهم في توفير الغذاء وتحريك الاقتصاد المحلي.
لقد رست مراكب الصيد في بني أنصار، لكن الأزمة لم ترسُ بعد على حل. وبين فاتورة محروقات تزداد ثقلاً ودخل بحار يتآكل، يظل السؤال معلقاً فوق مياه المتوسط: هل تتحرك الجهات المسؤولة لإنقاذ أسطول الناظور قبل أن تطول إجازة المراكب، أم سيظل البحر مفتوحاً أمام السمك، ومغلقاً في وجه من يعتاشون من صيده؟
وهكذا، لم يعد البحر وحده مصدر القلق في الناظور، بل أصبحت كلفة الوصول إليه تهدد بإغلاق أبواب الرزق في وجه رجال اعتادوا انتزاع قوتهم من قلب الأمواج. مراكب راسية، وبحارة ينتظرون، وأسر تواجه أعباء المعيشة، فيما تظل كلفة المحروقات حاضرة حتى والمحركات مطفأة.
إنها مفارقة موجعة: بحر يزخر بالثروات، ورجال يعجزون عن بلوغها، لا لأن الأمواج عصية، بل لأن فاتورة الوقود أصبحت أقسى من البحر نفسه. وإذا استمر الصمت أمام هذا النزيف، فقد يأتي يوم لا يسمع فيه ميناء بني أنصار سوى صرير الحبال وهي تشد المراكب إلى الأرصفة، فيما يتحول رزق البحر إلى حكاية من الماضي.
وعندها، لن يكون السؤال عن موعد عودة المراكب إلى الإبحار فحسب، بل عمّن يتحمل مسؤولية ترك بحارة الناظور عالقين بين بحر يجاورهم ورزق يبتعد عن موائد أبنائهم.
09/10/2026