kawalisrif@hotmail.com

مدريد تطرد مسنة في الـ87 من بيتها … ثم ماتت قبل أن تستعيد منزلها والشارع الإسباني يغلي

مدريد تطرد مسنة في الـ87 من بيتها … ثم ماتت قبل أن تستعيد منزلها والشارع الإسباني يغلي

في إسبانيا التي تحب تقديم نفسها باعتبارها دولة المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية، انتهت قصة ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاماً، بصورة تختزل الوجه القاسي لأزمة السكن التي تضرب البلاد. فقد أُخرجت المسنة قسراً من شقتها في مدريد بعد أكثر من سبعة عقود من العيش فيها، قبل أن تفارق الحياة داخل المستشفى، بينما كانت تنتظر العودة إلى المنزل الذي قضت فيه معظم عمرها.

لم تكن أباسكال مجرد مستأجرة عابرة في سوق عقارية متقلبة، بل عاشت في الشقة منذ سنة 1956، بعدما استأجرها والدها، وظلت تؤدي نحو 500 يورو شهرياً بين الإيجار والفواتير، في وقت لم يكن معاشها يتجاوز حوالي 1400 يورو. لكن شراء شركة للعقار قبل ست سنوات غيّر المعادلة، بعدما طُلب منها مغادرة المسكن أو تحمل زيادة كبيرة في الإيجار، وصلت إلى نحو 1600 يورو إضافية شهرياً.

ومنذ سنة 2020، حاولت الشركة إخلاءها أربع مرات، بينما خاضت المرأة المسنة سنوات من الإجراءات القضائية دفاعاً عن سقف لم يكن بالنسبة إليها مجرد عقار، بل بيتاً ارتبط بوالديها وذكرياتها وحياتها كاملة. ووفق المعطيات المنشورة، كانت هناك مقترحات لتسوية النزاع، بينها دفع فارق الإيجار أو شراء الشقة، لكن الخلاف استمر، فيما كانت صحة أباسكال تتدهور بشكل واضح مع مرور السنوات.

وفي 23 سبتمبر الماضي، جاء المشهد الذي فجّر الغضب في مدريد: امرأة في السابعة والثمانين تُخرج من منزلها على نقالة بعد تنفيذ قرار الإخلاء للمرة الرابعة. سنوات المحاكمات والنزاع استنزفتها جسدياً ونفسياً، بينما كان يفترض أن يوفر لها النظام القانوني حماية تتناسب مع وضعها الهش. لكنها وجدت نفسها في النهاية أمام قرار قضائي أقوى من قدرتها على الاحتمال.

وكانت أباسكال قد قالت قبل إخلائها إنها تدفع ثمن سبع سنوات من المحاكمات بسبب منزلها، وكانت تتمنى أن تنهي حياتها داخل الغرفة التي شهدت وفاة والديها، محاطة بذكرياتها ومقتنياتها. غير أن أمنيتها البسيطة لم تتحقق، إذ نُقلت إلى المستشفى بعد الإخلاء، قبل أن تتدهور حالتها الصحية وتفارق الحياة، لتتحول قصتها من نزاع عقاري إلى قضية رأي عام هزت الشارع الإسباني.

مشهد إخراجها على نقالة أشعل موجة غضب واسعة في مدريد، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى مدن إسبانية أخرى. ورفع ناشطون شعارات من بينها “كلنا ماريكارمن”، مطالبين بإجراءات حقيقية لحماية المستأجرين والحد من الإخلاءات، فيما تجمع مئات الأشخاص أمام منزلها بعد وفاتها، ووضعوا الشموع ورسائل التأبين، في صورة تختزل غضباً اجتماعياً يتجاوز قصة امرأة واحدة.

المفارقة الأكثر مرارة أن الحل كان قريباً جداً، لكنه جاء متأخراً إلى حد العبث. فقد كان مقرراً أن توقع أباسكال في 8 أكتوبر عقداً جديداً يسمح لها بالعودة إلى شقتها، بعد ضغط اجتماعي واسع وتدخلات هدفت إلى إنهاء النزاع. لكنها توفيت في المستشفى قبل أقل من 24 ساعة من الموعد المحدد للتوقيع، لتصبح العودة إلى منزلها ممكنة على الورق فقط، بينما لم تعد صاحبته موجودة لتفتح بابه.

وفاة أباسكال أعادت أزمة السكن إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة لاتخاذ إجراءات لحماية المستأجرين ومواجهة الإخلاءات، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها الأشخاص في وضع هش ولا يملكون بديلاً سكنياً. كما دخلت النقابات العمالية على الخط، داعية إلى تحركات واسعة للمطالبة بأجور تسمح بالحصول على سكن لائق في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات.

القضية تكتسب حساسية أكبر لأنها تأتي في خضم مرحلة سياسية ساخنة، مع تقديم موعد الانتخابات العامة إلى 29 نوفمبر، فيما أصبح السكن واحداً من الملفات التي ستفرض نفسها بقوة على الحملات الانتخابية. وبينما تتنافس الأحزاب على تقديم الوعود والحلول، تظل قصة ماريكارمن شاهداً ثقيلاً على المسافة بين الخطاب السياسي والواقع الذي يعيشه مواطنون يجدون أنفسهم مهددين بفقدان مساكنهم.

فحين تتحول شقة عاشت فيها امرأة أكثر من سبعين عاماً إلى عبء لا تستطيع دفع كلفته، وحين تحتاج مسنة في السابعة والثمانين إلى سنوات من المحاكمات للدفاع عن سقف فوق رأسها، وحين يصل الحل قبل ساعات من موعد العودة لكن بعد فوات الأوان، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالقانون وحده، بل بمدى قدرة المؤسسات على حماية الإنسان قبل أن يتحول إلى مجرد رقم في ملف قضائي.

ماريكارمن أباسكال لم تغادر منزلها بإرادتها، ولم تحصل على فرصة العودة إليه إلا عندما أصبح جسدها عاجزاً عن العودة، ثم رحلت قبل أن يُفتح لها الباب من جديد. وبين نقالة الإخلاء وموعد توقيع عقد العودة، سقطت كل الشعارات عن الحق في السكن أمام حقيقة واحدة: يمكن للمؤسسات أن تجد حلاً، لكن إذا جاء الحل متأخراً، فقد لا يبقى الإنسان الذي كان ينتظره.

والآن، بينما تشتعل الاحتجاجات في مدريد وترفع الشموع أمام منزلها، لم تعد ماريكارمن مجرد اسم في قضية إخلاء، بل أصبحت رمزاً لسؤال اجتماعي وسياسي يزداد إلحاحاً: إذا كان السكن حقاً أساسياً، فلماذا يحتاج المواطن إلى سبع سنوات من المحاكمات، واحتجاجات في الشوارع، وقضية رأي عام، حتى يحصل على فرصة للعودة إلى بيته؟

لقد ربحت الأوراق معركتها، وربما ربح العقار معركته، لكن ماريكارمن خسرت بيتها أولاً، ثم خسرت حياتها قبل أن تتمكن من العودة إليه. وتلك هي المفارقة الأكثر قسوة في هذه القصة: في مدريد، وصل مفتاح العودة… لكن صاحبة الباب كانت قد رحلت.

09/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts