kawalisrif@hotmail.com

سبتة المغربية المحتلة.. إخلاء خاطف قبل زيارة الملك الإسباني يثير تساؤلات حول “تجميل الأزمة” والمهاجرون يختفون في الجبال!

سبتة المغربية المحتلة.. إخلاء خاطف قبل زيارة الملك الإسباني يثير تساؤلات حول “تجميل الأزمة” والمهاجرون يختفون في الجبال!

في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير أزمة الهجرة بمدينة سبتة المغربية المحتلة، سارعت السلطات الإسبانية إلى إخلاء مخيمات المهاجرين وتنظيف الشواطئ في ظرف قياسي، قبل أيام قليلة من الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، بعدما ظلت تلك الفضاءات لأكثر من شهرين عنوانا بارزا لاختلالات التدبير الأمني والاجتماعي داخل المدينة.

وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة إسبانية، فإن العملية الأمنية التي نُفذت خلال 48 ساعة دفعت نحو 1200 شخص، وفق تقديرات الشرطة، إلى العودة طواعية إلى باقي التراب المغربي، بينما اختار آخرون الفرار نحو المناطق الغابوية والجبال والأحياء السكنية، تفاديا لتحديد هوياتهم ومواجهة الإجراءات القانونية المرتبطة بوضعيتهم.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة لا يتعلق فقط بسرعة إخلاء الشواطئ، بل بسبب انتظار السلطات الإسبانية كل هذه المدة قبل التحرك، ثم تنفيذ العملية بهذه الوتيرة اللافتة، بالتزامن مع الإعلان عن تقديم موعد الانتخابات العامة إلى 29 نونبر، وعلى بعد عشرة أيام فقط من الزيارة الملكية.

فهل اكتشفت الأجهزة الأمنية فجأة الوسائل التي عجزت عن توظيفها خلال الأسابيع الماضية، أم أن اقتراب موعد الزيارة فرض تسريع إخلاء الفضاءات التي باتت تحرج المسؤولين وتضع طريقة تدبيرهم للأزمة تحت المجهر؟

الصحيفة الإسبانية نفسها نقلت انتقادات صادرة عن النقابة الموحدة للشرطة، التي اعتبرت أن إفراغ الشواطئ لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، بل قد يكون مجرد تغيير لمكان وجود المهاجرين، بعدما انتقل بعضهم إلى الغابات والمساكن والأحياء السكنية. كما أشارت إلى أن نحو 300 عنصر أمني شاركوا في العملية الأخيرة، التي انتهت دون حوادث تُذكر، خلافا لمحاولات سابقة لم تحقق النتيجة نفسها.

والأكثر إثارة أن عمال النظافة تمكنوا، خلال يومين فقط وبمساعدة الآليات الثقيلة، من إزالة أكثر من 221 ألف كيلوغرام من النفايات المتراكمة بشاطئي إل ترامبولين وبنيتيز. رقم يكشف حجم التراكمات التي ظلت قائمة، لكنه يطرح أيضا سؤالا محرجا عن أسباب تأخر التدخل إلى أن اقترب موعد الزيارة الملكية، وكأن نظافة الفضاء العام لا تستحق الاستنفار إلا عندما تصبح أنظار المسؤولين والضيوف متجهة إليه.

وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطات إلى تقديم صورة أكثر هدوءا عن المدينة، تشير المعطيات المنشورة إلى أن الأزمة لم تختف، وإنما أصبحت أقل ظهورا على الواجهة البحرية. فالمهاجرون الذين كانوا يقيمون في مخيمات مكشوفة بات بعضهم يبحث عن أماكن أخرى للاختباء، بينما تواصل الأجهزة الأمنية التحقيق في شبهات استغلال مساكن لإيواء مهاجرين مقابل مبالغ مالية بطرق غير قانونية، مع الإشارة إلى نحو مئة مسكن يُشتبه في استخدامها لهذا الغرض، وفق ما نقلته الصحيفة عن النقابة الأمنية.

وتتحدث التقديرات الحكومية الإسبانية عن عودة أكثر من تسعة آلاف شخص إلى المغرب منذ إقرار نظام القيادة الموحدة لتدبير الأزمة، مقابل وجود نحو خمسة آلاف شخص في مراكز الإيواء، إضافة إلى قرابة ثلاثة آلاف قاصر، فضلا عن أشخاص آخرين لا يزال عددهم ومواقع وجودهم غير محددين بدقة.

لكن المقال يثير بدوره إشكالا لا يقل أهمية عن الأزمة التي يتناولها؛ إذ يميل إلى تصوير إخلاء الشواطئ باعتباره عملية “تجميل” قبل الزيارة الملكية، بينما تظل بعض المعطيات الواردة فيه بحاجة إلى تدقيق وتفسير أوسع. فالتزامن بين العملية الأمنية والزيارة المرتقبة يبرر طرح الأسئلة بشأن الدوافع السياسية والإعلامية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الغرض الوحيد من التدخل هو تحسين الصورة أمام الملك. كما أن وصف العودة بأنها طوعية يستدعي التمييز بين المغادرة التي تتم بإرادة حرة وتلك التي قد تتأثر بالضغط أو الخوف من الترحيل، خصوصا أن المقال نفسه ينقل شكاوى مهاجرين قالوا إن الشرطة مارست عليهم ضغوطا لدفعهم إلى المغادرة.

ومن زاوية مغربية، تبدو القضية أبعد من مجرد صور لمهاجرين اختفوا من الشواطئ أو انتقلوا إلى الغابات. إنها أزمة تدبير داخل مدينة مغربية محتلة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية، ولا يمكن اختزالها في مشهد بصري يراد له أن يبدو مرتبا قبيل زيارة ملكية. كما أن عودة مواطنين مغاربة من سبتة لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتوظيف السياسي أو إلى وسيلة لتغطية الأسئلة المتعلقة بظروف عودتهم وضمان حقوقهم القانونية.

واللافت أن سرعة التحرك الأمني تفتح الباب أمام مساءلة أوسع للمسؤولين الإسبان: إذا كانت تعبئة الشرطة والآليات الثقيلة قادرة على تحقيق هذه النتائج في يومين، فلماذا تُركت الشواطئ طوال أسابيع في وضع أثار انتقادات السكان أنفسهم؟ ولماذا لم يُعالج الملف منذ البداية ضمن خطة واضحة تجمع بين الأمن والتدبير الاجتماعي واحترام القانون، بدلا من انتظار لحظة يصبح فيها المشهد محرجا سياسيا وإعلاميا؟

في النهاية، قد تنجح السلطات في إخلاء الشواطئ قبل وصول الملك، وقد تختفي الخيام والنفايات من الصور الرسمية، لكن ذلك لا يقدم دليلا على انتهاء الأزمة. فالمشكلة التي تنتقل من الساحل إلى الجبال والأحياء لا تُحل بمجرد تغيير المشهد، كما أن المسؤولية السياسية لا تسقط بإخفاء مظاهر الخلل عن الأنظار.

وفي انتظار مغادرة الملك الإسباني سبتة المغربية المحتلة، تكون السلطات قد نجحت في ترتيب الواجهة: شواطئ أنظف، ومخيمات أُخليت، ومهاجرون تفرقوا بين الجبال والأحياء، وأطنان من النفايات أُزيلت في يومين بعدما ظلت متراكمة لأسابيع. مشهد يثير المفارقة أكثر مما يعلن نهاية الأزمة، ويعيد طرح السؤال الذي لا تجيب عنه الصور الرسمية: هل عولجت المشكلة فعلا، أم جرى فقط إبعاد مظاهرها عن الأنظار إلى حين انتهاء الزيارة؟ يبدو أن الشواطئ استعادت نظافتها مؤقتا، أما الأزمة، فيبدو أنها لم تتلقَّ سوى تعليمات غير معلنة بالابتعاد عن الكاميرات حتى انتهاء مراسم الاستقبال!

09/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts