في تصعيد إعلامي جديد يعكس حجم الارتباك الذي يرافق تدبير أزمة الهجرة في سبتة المغربية المحتلة، اختارت صحيفة إسبانية نقل النقاش من حوادث الاعتداء على عناصر الجيش الإسباني إلى دائرة أكثر خطورة، عبر الترويج لاحتمال تورط عسكريين مغاربة في نصب كمائن للجنود الإسبان، مستندة إلى فرضيات أمنية وتحليلات منسوبة إلى مصادر لم تكشف هويتها، من دون تقديم أدلة حاسمة تثبت وجود توجيه عسكري مغربي أو تورط مؤسساتي للمغرب في تلك الأحداث.
المقال، المنشور يوم السبت 10 أكتوبر، لا يكتفي بعرض وقائع اعتداءات تقول السلطات الإسبانية إنها استهدفت دوريات عسكرية، بل ينسج حولها رواية تتحدث عن مراقبة تحركات الجنود، ومعرفة مواعيد الدوريات، وتطويق المركبات، ووضع العوائق في المسالك، ثم يرفع مستوى الاتهام إلى احتمال استخدام تكتيكات حرب العصابات، في محاولة لإضفاء طابع عسكري منظم على أحداث لم تُعرض نتائج التحقيقات بشأنها بما يسمح بالجزم بوجود مخطط تقف وراءه جهة محددة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تنتهي الوقائع وتبدأ التأويلات؟ وأين الدليل الذي يسمح بالانتقال من الاشتباه في أشخاص يحملون الجنسية المغربية إلى الإيحاء بوجود صلة بين تلك الحوادث والمؤسسة العسكرية المغربية؟
إن وجود أشخاص يقولون إنهم عسكريون مغاربة، أو تعرّف عليهم الأمن الإسباني باعتبارهم عسكريين في الخدمة، داخل تجمع للمهاجرين بسبتة، لا يشكل في حد ذاته دليلا على تورطهم في الاعتداءات المنسوبة إلى مجموعات من الأشخاص، فضلا عن أن يكون قرينة كافية لاتهام الجيش المغربي بالتخطيط لعمليات ضد القوات الإسبانية. فالفارق كبير بين التحقق من هوية أشخاص، وإثبات مشاركتهم في جريمة، ثم إثبات وجود تنظيم أو قيادة أو جهة رسمية تقف وراءها.
لكن الصحيفة تبدو وكأنها تقفز بين هذه المستويات الثلاثة بخفة لافتة: تبدأ بمعطى يتعلق بهوية أشخاص، وتنتقل إلى فرضيات بشأن طريقة تنفيذ اعتداءات، ثم تفتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة يتعلق باحتمال مشاركة عناصر من الجيش المغربي. وبين البداية والنهاية، تبقى الحلقة الأهم غائبة: الدليل الذي يثبت العلاقة بين هذه المعطيات.
ولمزيد من الإثارة، يستحضر المقال حادث الاعتداء على أربعة جنود إسبان في منطقة بنزو، خلال ليلة 27 غشت، حين أحاط بهم أشخاص وألقوا الحجارة على مركبتهم، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة، قبل أن يضطروا إلى مغادرتها والبحث عن ملاذ آمن. كما يشير إلى توقيف 12 شخصا للاشتباه في مشاركتهم في الواقعة.
إن الاعتداء على الجنود، إذا ثبتت تفاصيله أمام الجهات المختصة، يستوجب التحقيق والمساءلة، ولا يمكن تبريره أو التقليل من خطورته. غير أن إدانة الاعتداء شيء، وتحويله إلى منصة لتغذية الشكوك بشأن دولة مجاورة شيء آخر تماما. فالمسؤولية الجنائية تُحدد بناء على الأدلة، لا على جنسية المشتبه فيهم، ولا على الانطباعات التي تثيرها طبيعة الاعتداء، ولا على سيناريوهات تستمد قوتها من كثرة تكرارها في المقالات.
والأكثر إثارة للانتباه أن الصحيفة تعتمد في بناء روايتها على عبارات من قبيل “يُشتبه” و”يُحتمل” و”تشير المؤشرات”، ثم تحشد تفاصيل عن الكمائن والمراقبة والتطويق والعوائق، بما يمنح القارئ انطباعا بوجود مخطط شبه مكتمل، رغم أن المادة المنشورة نفسها لا تقدم دليلا حاسما يثبت أن تلك الأفعال كانت جزءا من عملية منظمة تقف وراءها جهة عسكرية مغربية.
وهنا تكمن المشكلة المهنية: فالتحفظ اللغوي لا يعفي الصحافة من مسؤولية الصورة الإجمالية التي تصنعها لدى القارئ. إذ يمكن تكرار كلمة “اشتباه” عشرات المرات، لكن وضعها داخل سردية مشحونة بالمصطلحات العسكرية قد يؤدي عمليا إلى ترسيخ اتهام لم يثبت بعد، وتحويل فرضية قيد البحث إلى حقيقة شبه مستقرة في الوعي العام.
كما أن الحديث عن “تكتيكات حرب العصابات” لا يصبح حقيقة لمجرد أن اعتداء نُفذ بطريقة مباغتة أو أن مجموعة من الأشخاص أحاطت بمركبة. فهذه أوصاف تحتاج إلى قرائن موضوعية وتحليل تقني موثق، ولا يجوز استخدامها باعتبارها جسرا لغويا للانتقال من أعمال عنف محتملة إلى استنتاجات ذات أبعاد عسكرية ودبلوماسية.
واللافت أيضا أن المقال يربط بين وجود أشخاص من أصول مغربية في مخيم “إل ترامبولين” وبين المخاوف من تنظيم عمليات ضد الجنود الإسبان، من دون أن يعرض للرأي العام ما يكفي من المعطيات التي تثبت أن الأشخاص الذين جرى تحديد هويتهم هم أنفسهم من شاركوا في الاعتداءات، أو أنهم أصدروا تعليمات بشأنها، أو أنهم تحركوا بتكليف من جهة رسمية. إن مجرد الجمع بين هذه العناصر في سياق واحد لا يحولها تلقائيا إلى أدلة مترابطة.
ومن حق السلطات الإسبانية أن تحقق في كل اعتداء يستهدف جنودها، وأن تتخذ التدابير اللازمة لحماية عناصرها، كما أن من حق الصحافة مساءلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بشأن المخاطر التي تواجهها. لكن ليس من حق أي جهة إعلامية أن تجعل من ضعف المعطيات المنشورة ذريعة لتوسيع دائرة الشبهة، أو أن توحي بوجود مسؤولية دولة كاملة قبل تقديم ما يثبت ذلك.
بل إن المقال يفتح، من حيث لا يريد ربما، بابا آخر للمساءلة: إذا كانت المخاطر التي تواجه الدوريات الإسبانية معروفة لدى القيادات العسكرية منذ وقت سابق، كما يقول التقرير، وإذا كانت الجمعيات المهنية للعسكريين قد طالبت بوسائل حماية إضافية وتحديد واضح للمهام والإطار القانوني للتدخل، فلماذا يُدفع النقاش بهذا الإصرار نحو الاشتباه في المغرب، بدلا من التركيز أيضا على ظروف انتشار القوات، ومدى جاهزيتها، وطبيعة التكليفات المسندة إليها، وكيفية تدبير السلطات الإسبانية للأزمة؟
إن الحديث عن دوريات تعمل في ظروف صعبة، وعن عناصر قد لا تتوفر لها، وفق ما نقلته الصحيفة عن جمعيات عسكرية، وسائل الحماية الكافية، يستدعي مساءلة جدية للمسؤولين عن تدبير الوضع. أما اختزال الأزمة في سردية عن خصم خارجي محتمل، فيمنح الخطاب الأمني فرصة للهروب من أسئلة التدبير والمسؤولية الداخلية، ويحول الأنظار عن الأسباب المباشرة التي أدت إلى تفاقم الأوضاع.
ولا يمكن فصل هذه التغطية عن السياق الأوسع الذي تعرفه سبتة المغربية المحتلة، حيث تحولت أزمة الهجرة إلى مادة يومية للتجاذب السياسي والإعلامي، وسط محاولات متكررة لتقديم المدينة باعتبارها ساحة مواجهة أمنية تتجاوز أحيانا الوقائع المعلنة. وفي مثل هذا المناخ، تصبح اللغة المستخدمة في تناول المغرب مسألة بالغة الحساسية، خصوصا حين يجري الانتقال من وقائع جنائية يفترض أن تحقق فيها الجهات القضائية إلى تلميحات تمس مؤسسة عسكرية لدولة مجاورة.
وإذا كانت الصحيفة تمتلك معطيات جدية تثبت تورط عسكريين مغاربة في تلك الاعتداءات، فإن المهنية تقتضي عرض الأدلة القابلة للتحقق، وتحديد طبيعة الصلة بين الأشخاص المعنيين والوقائع، والتمييز بوضوح بين التصرفات الفردية والمسؤولية المؤسساتية. أما الاكتفاء بتجميع الشكوك والتقديرات الأمنية تحت عناوين مثيرة، فلا ينتج حقيقة مكتملة، بل يوسع دائرة الاتهام ويترك المجال مفتوحا أمام تأويلات لا تسندها الأدلة المنشورة.
المغرب ليس مطالبا بإثبات براءته من كل رواية تُبنى على الاشتباه، كما أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تُدار بمنطق الإيحاءات الصحفية. فالاتهام، مهما كان مصدره، لا يتحول إلى حقيقة بمجرد نشره، ولا تصبح الفرضية دليلا لمجرد أنها تتعلق بالأمن أو الجيش.
ويبقى أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس مجرد طرح فرضية غير محسومة، بل تحويلها إلى سردية متكاملة توحي بوجود مخطط عسكري قبل عرض أدلة تثبته. فبين واجب التحقيق في الاعتداءات وحق الصحافة في نقل المخاوف، تقف قاعدة لا يجوز تجاوزها: لا إدانة بلا دليل، ولا مسؤولية مؤسساتية بمجرد الاشتباه، ولا يجوز أن تتحول سبتة المغربية المحتلة إلى مختبر لتصنيع الاتهامات ضد المغرب تحت غطاء التحليلات الأمنية.
10/10/2026