في واقعة تكشف الوجه الأكثر خطورة من الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، كشفت صحيفة إسرائيلية ناطقة بالعربية عن وجود أمر عسكري سري يحمل اسما لافتا هو “التجارة العالمية”، يُفعَّل عند الاشتباه في تعرض طائرة مدنية للاختطاف، ويتيح لسلاح الجو الإسرائيلي إطلاق مقاتلات لاعتراضها ومرافقتها، وصولا إلى احتمال إسقاطها في ظروف معينة، وفق ما ورد في التقرير المنشور يوم السبت 10 أكتوبر.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة أسئلة شائكة بشأن حدود الصلاحيات العسكرية الإسرائيلية عندما تتحول طائرة مدنية، تقل ركابا وأفراد طاقم لا علاقة لهم بالتهديد المفترض، إلى هدف محتمل لقرار عسكري استثنائي. فبين حماية الأرواح ومنع وقوع كارثة، يبرز سيناريو بالغ الخطورة قد يجعل مئات الأرواح رهينة لقرارات تُتخذ في دقائق، وسط أجواء من الغموض والضغط الأمني.
وبحسب التقرير، جرى تفعيل هذا الأمر خلال حادثة رحلة تابعة لشركة “فلاي دبي” في 30 شتنبر الماضي، بعدما أثار اضطراب خطير على متن الطائرة مخاوف من احتمال اختطافها. وعلى إثر ذلك، استنفرت إسرائيل مقاتلاتها الجوية لمواكبة تطورات الحادث، بينما انتهت الرحلة بهبوط اضطراري في السعودية.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الأمر العسكري لا يقتصر على اعتراض الطائرة أو مرافقتها إلى مطار آمن، بل يتيح، في ظروف معينة، اتخاذ قرار بإسقاطها، وهو ما يفتح الباب أمام أخطر الأسئلة المتعلقة بمعايير تقدير التهديد، والجهة المخولة باتخاذ القرار، والضمانات التي تحول دون وقوع خطأ كارثي في لحظة تتداخل فيها المعلومات الاستخباراتية مع ضيق الوقت وحساسية الموقف.
فالطائرة المدنية ليست مقاتلة عسكرية، وركابها ليسوا طرفا في أي مواجهة مفترضة. وأي قرار باستهدافها يضع حياة الأبرياء في قلب معادلة أمنية شديدة التعقيد، حيث قد يتحول إجراء يُقدَّم باعتباره وسيلة لمنع كارثة إلى سبب مباشر في وقوعها، إذا لم يستند إلى معلومات دقيقة وتقدير صارم للمخاطر.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى أن الحادثة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية بشأن رحلة “فلاي دبي”، ارتبطت باعتداء داخل قمرة القيادة ومحاولة محتملة للسيطرة على الطائرة، قبل تدخل ركاب وأفراد من الطاقم ونجاح الطائرة في الهبوط اضطراريا بالسعودية. ومع ذلك، فإن ملابسات الحادث ودوافعه تظل خاضعة للتحقيق، ولا يجوز التعامل مع كل التفاصيل المتداولة باعتبارها نتائج نهائية محسومة.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الأساسي هو: كيف يمكن ضمان ألا يتحول الاشتباه إلى حكم نهائي، وألا يصبح قرار عسكري لا رجعة فيه بديلا عن الخيارات التي قد تتيح إنقاذ الطائرة وركابها؟ فاعتراض طائرة مدنية ومرافقتها وتوجيهها إلى الهبوط إجراءات تختلف جذريا عن اتخاذ قرار بإسقاطها، بما يحمله الخيار الأخير من عواقب إنسانية لا يمكن تداركها.
كما يثير الاسم السري للأمر العسكري، “التجارة العالمية”، تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات التي تحيط به ومستوى السرية المفروض على تفاصيله. غير أن الكشف عن الاسم وحده لا يكفي للحكم على جميع آليات تطبيقه، ولا يثبت أن قرار إسقاط الطائرة كان وشيكا أو أن السلطات الإسرائيلية اتخذت بالفعل قرارا من هذا النوع خلال الحادثة الأخيرة.
وبين الرواية الأمنية التي تركز على منع الاختطاف وحماية المنشآت الاستراتيجية، والمخاوف المرتبطة بمصير الركاب، تبقى الشفافية بشأن قواعد الاشتباك ومعايير اتخاذ القرار مسألة أساسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بطائرة مدنية لا يمكن التعامل معها باعتبارها هدفا عسكريا عاديا.
إن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس مجرد وجود أمر عسكري سري، بل اتساع المسافة بين قرار يُتخذ داخل غرف القيادة ومصير أبرياء قد لا يعرفون حتى طبيعة الخطر الذي يحيط بهم. ففي السماء، قد تكون دقائق قليلة كافية للفصل بين هبوط آمن ومأساة لا تُمحى من الذاكرة، وحين تصبح طائرة الركاب معلقة بين قرار الاعتراض واحتمال الإسقاط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: من يضمن أن الأمر الذي وُضع لمنع الكارثة لن يتحول، في لحظة خاطئة، إلى الكارثة نفسها؟
10/10/2026