تتجه الأنظار إلى مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، في ظل تصاعد النقاش بشأن اتفاقية التعاون والصداقة الموقعة بين البلدين، وما يرتبط بها من ملفات استراتيجية تشمل الهجرة، والتعاون الأمني والقضائي، ومكافحة الإرهاب والتطرف، فضلاً عن التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.
ويأتي هذا النقاش في سياق حساس يتزامن مع إعلان القصر الملكي الإسباني برنامج زيارة الملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، وهي الزيارة التي تثير تساؤلات بشأن انعكاساتها السياسية والدبلوماسية على العلاقات بين الرباط ومدريد.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى أن التعاون المغربي الإسباني لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل يمتد إلى ملفات أمنية وقضائية واقتصادية وهجرية تشكل ركائز أساسية في العلاقة بين البلدين، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر والجريمة المنظمة والتهديدات الإرهابية.
اتفاقية 1991 في قلب النقاش
تعود اتفاقية الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين المغرب وإسبانيا إلى 4 يوليوز 1991، وتشكل إطاراً عاماً لتنظيم العلاقات الثنائية وتطوير التعاون في مجموعة من المجالات.
ويطرح الحديث عن مراجعة هذه الاتفاقية، أو تعليق بعض أوجه التعاون المرتبطة بها، تساؤلات بشأن مستقبل الشراكة بين البلدين، خاصة أن أي تغيير جوهري في طبيعة التنسيق الثنائي قد تكون له انعكاسات على الملفات الأمنية والقضائية والهجرية.
غير أن التمييز يظل ضرورياً بين المطالبة السياسية بإعادة النظر في الاتفاقية، وبين اتخاذ قرار رسمي بتجميدها أو إلغائها. وحتى الآن، لا تتوافر معطيات موثوقة تؤكد صدور قرار مغربي رسمي يقضي بإنهاء الاتفاقية أو تعليق جميع أوجه التعاون المنبثقة عنها.
الهجرة.. الملف الأكثر حساسية
يحتل ملف الهجرة موقعاً مركزياً في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للبلدين ودورهما في تدبير التحركات البشرية بين إفريقيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، يثير أي توجه مغربي نحو مراجعة نموذج التعاون الحالي في مجال الهجرة تساؤلات بشأن مستقبل التنسيق الحدودي، ومكافحة شبكات التهريب، والتعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية.
لكن الحديث عن تعليق التعاون في هذا المجال بشكل فعلي يستوجب التمييز بين الدعوة إلى تغيير شروط الشراكة أو مراجعة آلياتها، وبين وقف التنسيق الميداني والمؤسساتي بصورة رسمية.
التعاون الأمني والقضائي ومكافحة التطرف
يمثل التعاون الأمني والقضائي أحد أبرز أوجه الشراكة بين الرباط ومدريد، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل المعلومات، وملاحقة الشبكات الإجرامية، ومكافحة الإرهاب والتطرف، والتنسيق بين الأجهزة المختصة والسلطات القضائية.
ومن شأن أي تراجع فعلي في هذا التعاون أن يطرح تحديات أمام آليات التنسيق القائمة، بالنظر إلى الطبيعة العابرة للحدود للتهديدات الأمنية التي تواجه البلدين.
كما أن مراجعة هذا الجانب من العلاقات لن تكون مجرد خطوة رمزية، بل قد تتطلب إجراءات مؤسساتية وقانونية واضحة، بحسب طبيعة الاتفاقات المعنية ونطاقها.
وفي المقابل، لا تتوافر أدلة مؤكدة على أن المغرب أصدر قراراً رسمياً بتجميد التعاون الأمني أو القضائي مع إسبانيا، أو بوقف التنسيق في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف.
زيارة سبتة ومليلية تزيد حساسية المرحلة
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، وهي أول زيارة للملك الإسباني إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وفق المعطيات المتعلقة بالبرنامج المعلن.
وتحمل الزيارة أبعاداً رمزية وسياسية بالنظر إلى الخلاف التاريخي حول وضع المدينتين؛ فالمغرب يعتبرهما جزءاً من ترابه الوطني، بينما تؤكد إسبانيا سيادتها عليهما.
ومن هذا المنطلق، قد تثير الزيارة نقاشاً إضافياً بشأن مستقبل العلاقات الثنائية، غير أن ربطها مباشرة بقرار مغربي مزعوم لتجميد اتفاقية التعاون يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة مستقلة ومعلومات رسمية.
بين مراجعة الشراكة وإلغاء الاتفاقية
إن الحديث عن إعادة صياغة العلاقات المغربية الإسبانية يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى قدرة النموذج الحالي للتعاون على الاستمرار بالشروط نفسها، في ظل التباينات السياسية المرتبطة بالهجرة وسبتة ومليلية وغيرها من الملفات ذات الحساسية الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن إلغاء اتفاقية 1991 أو تجميدها بالكامل يختلف قانونياً ودبلوماسياً عن مراجعة بعض أوجه التعاون أو إعادة التفاوض بشأنها، كما أن تعليق مجال معين لا يعني بالضرورة توقف بقية مجالات الشراكة.
وإلى حين صدور إعلان رسمي أو ظهور معطيات موثوقة تثبت اتخاذ الرباط قراراً من هذا النوع، يبقى الحديث عن تجميد الاتفاقية أو إلغاء التعاون الأمني والقضائي خبراً غير مؤكد، في وقت تظل فيه طبيعة المرحلة المقبلة رهينة بالتطورات الرسمية والمواقف التي سيعلنها الطرفان.
10/10/2026