kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تصنع المسيّرات مع “إيدج” والمغرب يربكها بمجرد الشراكة … ممنوع على الرباط ما هو حلال على مدريد !

إسبانيا تصنع المسيّرات مع “إيدج” والمغرب يربكها بمجرد الشراكة … ممنوع على الرباط ما هو حلال على مدريد !

في تطور يعكس التحولات المتسارعة في موازين القوة العسكرية والصناعية بالمنطقة، يواصل المغرب تعزيز قدراته الدفاعية عبر صفقات تسليح وشراكات صناعية تستهدف الانتقال التدريجي من اقتناء المعدات العسكرية إلى بناء قاعدة وطنية للإنتاج والتصنيع، في توجه استراتيجي يروم تقليص التبعية للخارج وتوسيع هامش الاستقلالية في تدبير الاحتياجات الدفاعية.

غير أن ما تعتبره الرباط خطوة نحو تعزيز سيادتها الصناعية والعسكرية، تقدمه بعض القراءات الإعلامية الإسبانية بنبرة مشوبة بالقلق، وكأن تنويع المغرب لشراكاته العسكرية بات حدثا يستدعي قرع أجراس الإنذار في مدريد، أو كأن تطوير القدرات الدفاعية امتياز محجوز لدول دون غيرها، لا يحق للمغرب التفكير فيه إلا ضمن الحدود التي لا تثير حساسية الجوار.

صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية وضعت الاتفاقات المغربية مع مجموعة الصناعات الدفاعية الإماراتية “إيدج” في صلب اهتمامها، مستحضرة في الوقت نفسه الشراكة التي جمعت المجموعة نفسها بشركة “إندرا” الإسبانية خلال يناير الماضي، لإنتاج مسيّرات انتحارية في مصنع بمنطقة فيلادانغوس دي باراموس بإقليم ليون، في مشروع يعكس توجه مدريد نحو توسيع قدراتها في مجال الصناعات الدفاعية المتقدمة.

ويبلغ الاستثمار المعلن في المشروع الإسباني نحو عشرين مليون يورو، وسط حديث عن محفظة طلبات سنوية قد تصل إلى ملياري يورو، وهو ما يكشف الأهمية التي توليها إسبانيا للتعاون مع المجموعة الإماراتية من أجل تطوير الإنتاج الدفاعي والاستجابة للطلبات المتزايدة على الأنظمة غير المأهولة.

وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التوقف عندها: عندما تتعاون إسبانيا مع “إيدج”، يصبح الأمر استثمارا في الصناعة الدفاعية وتعزيزا للقدرات الوطنية، أما حين يتجه المغرب إلى الشريك نفسه، فيتحول الخبر إلى مدخل للحديث عن إعادة التسلح والمخاطر المحتملة على الجوار، وكأن طبيعة الشراكة تتغير بمجرد اختلاف هوية الطرف المستفيد منها.

وكأن التعاون الصناعي العسكري شهادة حسن سلوك تُمنح للعواصم الأوروبية، بينما يتعين على الرباط أن تكتفي بدور الزبون الذي يشتري السلاح جاهزا، من دون أن يفكر في تطوير قدراته أو بناء صناعة خاصة به. إنها معادلة لا تخلو من المفارقة: ما يُحسب لإسبانيا باعتباره تخطيطا استراتيجيا واستثمارا في المستقبل، يصبح مدعاة للقلق حين يتعلق الأمر بالمغرب، حتى عندما يكون الشريك الصناعي واحدا.

وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة، أبرمت إدارة الدفاع المغربية اتفاقين مع مجموعة “إيدج” على هامش معرض مراكش للطيران 2026. ويتعلق الاتفاق الأول بتوريد أسلحة وذخائر موجهة للمسيّرات القتالية التابعة للقوات الملكية الجوية المغربية، في خطوة ترمي إلى تعزيز قدراتها العملياتية وتوسيع الخيارات المتاحة أمامها في مجال الأنظمة الدقيقة.

وتشمل هذه الأنظمة الذخيرة الموجهة “ديزيرت ستينغ 16” والذخيرة “ثاندر بي-31″، إلى جانب دمجها في أسطول المسيّرات القتالية المغربية. وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع نحو الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الحديثة، مع ضرورة التمييز بين ما يتعلق بتوريد المعدات وما يرتبط ببناء قدرات صناعية محلية على المدى الطويل.

وتشير البيانات المنشورة إلى أن وزن “ديزيرت ستينغ 16” يبلغ نحو ثلاثة وعشرين كيلوغراما، مع مدى يصل إلى خمسة عشر كيلومترا، فيما تتيح ذخيرة “ثاندر بي-31″، وفق الشركة المصنعة، تحويل قنابل “إم كيه 81” إلى ذخائر دقيقة التوجيه، بما يسمح بتطوير إمكانات استخدامها انطلاقا من منصات جوية مختلفة.

ويصل مدى هذه الذخائر إلى عشرة كيلومترات عند إطلاقها من المسيّرات، وقد يبلغ عشرين كيلومترا عند إطلاقها من منصات عالية السرعة والارتفاع، بحسب المعطيات التقنية التي نشرتها الشركة. غير أن هذه المواصفات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتكوين صورة كاملة عن القدرات العملياتية، التي تتأثر كذلك بطبيعة المنصات المستخدمة وأنظمة التوجيه وظروف التشغيل.

أما الاتفاق الثاني، فيتجاوز من حيث طبيعته مجرد شراء السلاح، إذ يضع إطارا للتعاون من أجل تحديد فرص التصنيع المحلي للأسلحة الخفيفة عالية الأداء ومحركات الطائرات، عبر شراكات مع شركات مغربية، بما يفتح الباب أمام بحث إمكانات إدماج الصناعة الوطنية في سلاسل الإنتاج الدفاعي.

ورغم أن تفاصيل الاستثمار والمواقع الصناعية وحجم الإنتاج والجدول الزمني لم تُعلن بعد، فإن فتح هذا المسار يظل خطوة تستحق المتابعة، خصوصا إذا انتقل من مستوى الاتفاقات الأولية إلى مشاريع إنتاج فعلية، ونقل للخبرة والتكنولوجيا، وتكوين للكفاءات المغربية القادرة على المساهمة في تطوير هذه الصناعات وتوسيع قاعدة الخبرات المحلية.

وهنا تحديدا يكمن الرهان الحقيقي الذي قد لا تمنحه بعض العناوين المثيرة المساحة التي يستحقها: المسألة ليست في عدد الأسلحة التي يقتنيها المغرب فحسب، بل في قدرته على تطوير منظومة صناعية دفاعية تقلص التبعية للخارج، وتخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، وتمنح المؤسسات العسكرية خيارات أوسع في مجال الصيانة والتحديث والتطوير المستقبلي.

فالدول لا تبني قوتها العسكرية بالشراء وحده، وإنما بتراكم المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الإنتاج، وبإنشاء منظومات صناعية قادرة على مواكبة التطور التقني والاستجابة للاحتياجات المتغيرة. أما اختزال كل تحرك مغربي في خانة التهديد، فيبدو أقرب إلى القلق من احتمال تغير قواعد المنافسة منه إلى تحليل صناعي وعسكري متكامل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشراكات مماثلة لتلك التي تسعى دول الجوار نفسها إلى تطويرها.

وتنقل الصحيفة عن سيف الدهباشي، رئيس قطاع الصواريخ والأسلحة في مجموعة “إيدج”، أن الاتفاق يهدف إلى تلبية متطلبات مهام القوات الملكية الجوية، مع ضمان الإمدادات والصيانة على المدى الطويل. ويبرز هذا التصريح البعد العملي للصفقة، من خلال ربط اقتناء الأنظمة العسكرية باستمرارية الدعم التقني وتوفير الاحتياجات اللازمة لاستخدامها وصيانتها.

ومع ذلك، لا تكفي هذه المعطيات وحدها لتحديد الحجم النهائي للاتفاق، في ظل غياب أرقام معلنة بشأن القيمة المالية والكميات ومواعيد التسليم. كما أن تقييم الأثر الفعلي لهذه الشراكة سيظل مرتبطا بما ستسفر عنه من نتائج ملموسة، سواء على مستوى جاهزية المعدات أو نقل التكنولوجيا أو توسيع فرص التصنيع داخل المغرب.

وتربط “إل إندبندينتي” هذه الاتفاقات بما تصفه بتعزيز القدرات العسكرية المغربية خلال أسبوع واحد، مشيرة كذلك إلى تقارير إعلامية تحدثت عن اتفاق لإنتاج مسيّرات بعيدة المدى من طراز “إيريفي”، يصل مداها إلى ألفي كيلومتر. وتندرج هذه التقارير ضمن النقاش المتزايد حول مستقبل الصناعات الدفاعية المغربية وإمكانات تطوير أنظمة جوية غير مأهولة ذات قدرات متقدمة.

غير أن هذه المعطيات، بما فيها تفاصيل المصنع المحلي والقدرات التقنية المنسوبة إلى هذه المسيّرات، تظل بحاجة إلى تأكيدات رسمية مستقلة، ولا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية محسومة قبل التثبت من تفاصيلها. فالدقة تقتضي التمييز بين الاتفاقات المعلنة والمعلومات التي لا تزال متداولة إعلاميا، وبين القدرات المثبتة تقنيا والتقديرات التي قد تختلف من مصدر إلى آخر.

ومع ذلك، اختارت الصحيفة إبراز المدى المفترض لهذه المسيّرات من خلال رسم دائرة جغرافية واسعة تشمل الصحراء المغربية والجزائر وشبه الجزيرة الإيبيرية انطلاقا من الرباط، في معالجة تستحضر هواجس الجوار بقدر ما تستعرض المعطيات العسكرية، وتدفع بالقارئ إلى التفكير في المسألة من زاوية التهديد المحتمل أكثر من زاوية التطور الصناعي والتكنولوجي.

لكن المدى التقني لا يثبت، في حد ذاته، وجود نية هجومية، كما أن امتلاك منظومة عسكرية لا يعني تلقائيا توجيهها ضد دولة بعينها. وبين القدرة النظرية على الوصول إلى منطقة جغرافية واتخاذ قرار باستهدافها، توجد اعتبارات سياسية وعسكرية وقانونية واستراتيجية لا يمكن اختزالها في دائرة على خريطة أو عنوان مثير، مهما بدا ذلك جذابا من الناحية الإعلامية.

واللافت أن الصحيفة تستحضر الشراكة الإسبانية مع “إيدج” لإنتاج المسيّرات الانتحارية، لكنها تجعل التعاون المغربي مع المجموعة نفسها مدخلا للحديث عن المخاطر المحتملة على إسبانيا. وهنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: المجموعة التي يُنظر إلى التعاون معها في مدريد باعتباره فرصة لتطوير الصناعة الدفاعية الإسبانية، تتحول في سياق التعاون مع الرباط إلى عنصر في قراءة تحذيرية بشأن مستقبل التوازن العسكري الإقليمي.

وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كانت مدريد ترى في التعاون مع الشركة الإماراتية فرصة لتطوير صناعتها الدفاعية وتأمين حاجياتها المستقبلية، فلماذا يصبح توجه المغرب نحو الشريك نفسه مدعاة للقلق؟ وهل يُفترض أن تحتفظ الدول الأوروبية وحدها بحق الانتقال من الاستيراد إلى الإنتاج، بينما يُنظر إلى أي خطوة مغربية في الاتجاه ذاته باعتبارها تطورا يستوجب التحذير؟

إن الإشكال لا يكمن في مناقشة التحولات العسكرية أو تقييم انعكاساتها على أمن المنطقة، بل في اعتماد معايير مختلفة عند تناول تحركات متشابهة، بحيث يُقدَّم الاستثمار الدفاعي لدى طرف باعتباره ضرورة استراتيجية، بينما يُصوَّر لدى طرف آخر بوصفه مؤشرا مقلقا، حتى قبل اتضاح حجم المشاريع وطبيعتها ونتائجها الفعلية.

ولا يتعلق الأمر بإنكار حق الصحافة الإسبانية في تحليل التحولات العسكرية ومناقشة انعكاساتها الإقليمية، بل بضرورة التمييز بين التحليل المهني والتهويل، وبين نقل الوقائع وتقديمها ضمن سردية جاهزة عن التهديد. فالنقاش الجاد يقتضي عرض المعطيات التقنية بدقة، وفصل المعلومات المؤكدة عن التقديرات، وتجنب تحويل كل خطوة صناعية أو دفاعية إلى مؤشر على مواجهة محتملة.

فالمغرب، مثل غيره من الدول، يملك حق تطوير قدراته الدفاعية وتنويع شركائه وبناء صناعاته الاستراتيجية، في إطار التزاماته القانونية والدولية. ولا يستقيم أن تتجه دول الجوار إلى تحديث ترساناتها وتوسيع استثماراتها الدفاعية، ثم يُقدَّم المسار المغربي وحده باعتباره تطورا استثنائيا يستدعي القلق لمجرد أنه يسير في الاتجاه نفسه، أو لأنه يتيح للرباط توسيع هامش استقلاليتها في مجال ظل لعقود مرتبطا بالاستيراد الخارجي.

كما أن المقارنة بين المسيّرات الإيرانية منخفضة التكلفة وصواريخ “توماهوك” الأمريكية، التي أوردتها الصحيفة في سياق الحديث عن المسيّرات بعيدة المدى، تستوجب قدرا أكبر من الدقة التقنية، لأن التشابه في بعض الخصائص أو الوظائف لا يعني بالضرورة تكافؤا في الأداء أو القدرات العملياتية.

وتختلف هذه الأنظمة في جوانب أساسية، تشمل أنظمة التوجيه والاستشعار والاتصال والحمولة والقدرة على تنفيذ المهام في ظروف تشغيلية مختلفة. ولذلك، فإن بناء استنتاجات عسكرية واسعة على مقارنات مختصرة قد يفضي إلى صورة مضللة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأنظمة لا تتطابق بالضرورة في طبيعة الاستخدام أو مستوى التكنولوجيا أو الأدوار العملياتية.

وفي المجال العسكري، لا تكفي المقارنات المثيرة لصناعة استنتاجات دقيقة؛ فالمواصفات الفعلية والسياق العملياتي أهم من التشبيهات التي تصلح للعناوين أكثر مما تصلح للتحليل. كما أن تقييم أي منظومة دفاعية يقتضي النظر إلى مكوناتها وقدراتها الفعلية وطريقة إدماجها في المنظومة العسكرية، لا الاكتفاء برقم يتعلق بالمدى أو بتشبيهها بسلاح آخر.

في المحصلة، لا تكمن أهمية التحركات المغربية في الصورة التي تحاول بعض القراءات رسمها عن سباق تسلح يهدد الجوار، بل في احتمال تشكّل مسار يربط اقتناء المعدات العسكرية بتطوير الصناعة الوطنية، ويفتح المجال أمام بناء خبرات محلية في قطاعات تتطلب استثمارات طويلة الأمد وكفاءات متخصصة وتراكما تكنولوجيا.

وإذا نجحت هذه الاتفاقات في الانتقال من الأطر التعاقدية إلى مصانع عاملة وكفاءات مؤهلة ونقل فعلي للتكنولوجيا، فسيكون المغرب قد خطا خطوة إضافية نحو امتلاك أدوات أوسع لحماية أمنه ومصالحه الاستراتيجية، مع ما يمكن أن يترتب عن ذلك من فرص اقتصادية وصناعية. أما إذا ظلت الاتفاقات مجرد إعلانات من دون تنفيذ ملموس، فإن الحكم عليها سيظل رهينا بما يتحقق على أرض الواقع، لا بما تتداوله العناوين أو تتناقله التقديرات الإعلامية.

وتبقى المفارقة الأبرز أن المجموعة الإماراتية التي تراهن عليها إسبانيا لتعزيز إنتاج مسيّراتها تفتح، في الوقت نفسه، باب التعاون أمام المغرب. وبينما يُقدَّم التعاون الإسباني باعتباره استثمارا في المستقبل، يبدو أن بعض القراءات الإعلامية تجد صعوبة في التعامل مع احتمال أن يسلك المغرب الطريق نفسه، وكأن المشكلة ليست في السلاح أو التكنولوجيا أو طبيعة الشراكة، بل في هوية الدولة التي تستفيد منها.

غير أن المصالح، على ما يبدو، لها حسابات أخرى حين يتعلق الأمر بالمغرب؛ فما يُعدّ في مدريد استثمارا ذكيا في المستقبل، قد يتحول في الرباط إلى مصدر للقلق وسبب لاستنفار العناوين. وكأن المطلوب من المغرب أن يصفق للآخرين وهم يبنون مصانعهم الدفاعية، ثم يستأذنهم قبل أن يفكر في بناء مصنع واحد لنفسه! فهل أصبحت الشراكة مع “إيدج” مشروعة حين تخدم الصناعة الإسبانية، ومثيرة للريبة حين تفتح نافذة أمام الصناعة المغربية؟ أم أن المشكلة الحقيقية ليست في المسيّرات ولا في التكنولوجيا، بل في أن المغرب بدأ يفكر في مغادرة مقعد الزبون الدائم؟

وفي نهاية المطاف، لن تحسم المنافسة خرائط المديات المفترضة ولا العناوين التي توزع شهادات حسن السلوك الصناعي والعسكري، بل قدرة المغرب على تحويل الاتفاقات إلى مصانع وتكنولوجيا وكفاءات وإنتاج فعلي. وعندما تتحول الوعود إلى خطوط إنتاج، والشراكات إلى خبرات مغربية، قد تجد بعض الأصوات التي سارعت إلى دق ناقوس الخطر نفسها أمام واقع لا تنفع معه لا الدوائر المرسومة على الخرائط ولا نوبات القلق الإعلامي.

وعندها سيبقى السؤال الأكثر إزعاجا: هل يشكل تطور القدرات المغربية تهديدا حقيقيا، أم أن التهديد الوحيد لبعض الحسابات هو أن المغرب لم يعد يقبل بدور المتفرج، ولا يطلب الإذن من أحد كي يصنع مستقبله؟

10/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts