يضع التراجع الحاد للعملة الأوروبية الموحدة أمام الدولار الأمريكي الاقتصاد المغربي أمام تحديات إضافية، في ظل ارتباط الدرهم بسلة من العملات الدولية يتصدرها الأورو، ما يجعل التحولات التي تشهدها أسواق الصرف عاملاً مؤثراً في التوازنات المالية والتجارية للمملكة. وبينما يستعيد الدولار جاذبيته لدى المستثمرين، تبرز تساؤلات بشأن التداعيات المحتملة لهذا التحول على تنافسية الاقتصاد الوطني ومسار نموه.
وسجل الأورو تراجعاً إلى أدنى مستوى له منذ 17 شهراً، متأثراً بتزايد المخاوف بشأن الوضع المالي الفرنسي وارتفاع عوائد السندات، بالتزامن مع عوامل تعزز قوة الدولار، من بينها توجهات السياسة النقدية الأمريكية وارتفاع أسعار النفط. وتأتي هذه التطورات في سياق دولي متقلب، يفرض على الاقتصادات المرتبطة بالأسواق الخارجية التعامل بحذر مع انعكاسات تغيرات أسعار الصرف.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد تراجع للعملة الأوروبية أمام نظيرتها الأمريكية، بل بتحول قد ينعكس على عدد من المؤشرات الاقتصادية، بالنظر إلى أن الدرهم يعتمد سلة مرجعية تضم الأورو والدولار، مع هيمنة العملة الأوروبية. وهو ما يجعل مسار العلاقة بين العملتين عاملاً مهماً في تحديد تطور سعر صرف الدرهم، وانعكاساته المحتملة على المبادلات التجارية والتوازنات الماكرو اقتصادية.
وفي هذا السياق، كشفت مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، في تقرير نشاطها برسم سنة 2025، عن دراسة تناولت تأثير تقلبات سعر صرف الأورو مقابل الدولار على الاقتصاد المغربي، من خلال تحليل انعكاساتها المحتملة على الدرهم والميزان التجاري ومجموعة من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية.
واعتمدت الدراسة على فرضية مرجعية حددت متوسط سعر صرف الأورو مقابل الدولار في 1.08، وفق المعطيات المعتمدة عند إعداد قانون المالية لسنة 2025، قبل اختبار سيناريوهين لارتفاع قيمة العملة الأوروبية، استناداً إلى التطورات المسجلة خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة نفسها وإلى أحدث توقعات إجماع الأسواق المتاحة آنذاك.
وافترض السيناريو الأول، الذي وصفته المديرية بالمركزي، ارتفاع قيمة الأورو بنسبة 3.3 في المائة، ليصل سعر صرفه إلى 1.12 دولار، فيما توقع السيناريو الثاني ارتفاعاً أكبر بنسبة 7.9 في المائة، بما يرفع السعر إلى 1.17 دولار.
واستخدمت المديرية هذه الفرضيات لتقييم الانعكاسات المحتملة على الميزان التجاري، بالاستناد إلى العملات المعتمدة في فوترَة المبادلات التجارية، إلى جانب قياس التأثيرات المرتقبة على الأسعار والناتج الداخلي الإجمالي والاستهلاك والاستثمار ورصيد الحساب الجاري والرصيد الميزانياتي.
وأظهرت نتائج المحاكاة أن ارتفاع الأورو أمام الدولار يمكن أن يحقق آثاراً إيجابية إجمالاً للاقتصاد المغربي في كلا السيناريوهين، مع تسجيل مكاسب أكبر في حالة ارتفاع العملة الأوروبية بنسبة 7.9 في المائة، خصوصاً على مستوى التنافسية والرصيد الخارجي والنمو الاقتصادي.
وتكشف هذه النتائج عن مفارقة تطرح نفسها بقوة أمام الاقتصاد الوطني؛ فبينما يعزز الدولار موقعه في الأسواق الدولية على حساب الأورو، تشير المحاكاة الرسمية إلى أن ارتفاع العملة الأوروبية كان من شأنه تحقيق مكاسب أكبر للمغرب في عدد من المجالات الاقتصادية. وهو ما يجعل استمرار تراجع الأورو تطوراً يستحق المتابعة، بالنظر إلى ما قد يحمله من انعكاسات على حسابات التجارة الخارجية وسعر صرف الدرهم.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج بالضرورة أن ضعف الأورو سيؤدي تلقائياً إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية المغربية، إذ تظل التداعيات الفعلية رهينة بمجموعة من المتغيرات، من بينها تطور الأسعار العالمية ومستوى الطلب الخارجي، فضلاً عن طبيعة المبادلات التجارية والعملات المستخدمة في تسويتها.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل الاقتصاد المغربي معنياً عن كثب بما يجري في أسواق الصرف الدولية، خصوصاً أن تقلبات الأورو والدولار قد تؤثر في شروط التبادل التجاري وفي التوازنات الخارجية للمملكة. ويعيد هذا الوضع طرح أهمية تحصين الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية، وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات المالية الدولية التي قد تزيد من تعقيد التحديات الاقتصادية القائمة.
18/10/2026