kawalisrif@hotmail.com

الناظور :     من زعامة دامت عقوداً إلى سقوط مدوٍّ … محمد الطيبي في قلب العاصفة بعد انهيار نفوذ الاستقلال بزايو وأولاد ستوت

الناظور : من زعامة دامت عقوداً إلى سقوط مدوٍّ … محمد الطيبي في قلب العاصفة بعد انهيار نفوذ الاستقلال بزايو وأولاد ستوت

لم يكن تراجع حزب الاستقلال بإقليم الناظور مجرد خسارة انتخابية عابرة، بل شكل منعطفاً سياسياً أعاد طرح أسئلة محرجة حول طريقة تدبير الحزب، وحدود نفوذ قياداته المحلية، والثمن الذي تدفعه التنظيمات الحزبية عندما تتأخر في تجديد نخبها وفتح أبوابها أمام الكفاءات والوجوه الشابة. وفي قلب هذا النقاش يبرز اسم محمد الطيبي، رئيس جماعة زايو لسنوات طويلة ونائب برلماني سابق، باعتباره أحد أبرز الوجوه التي ارتبط بها حضور الحزب في الإقليم ، وأحد الأسماء التي توجه إليها انتقادات بشأن أسلوب تدبير المرحلة الماضية.

فالحزب الذي كان إلى عهد قريب يُحسب ضمن القوى الانتخابية الأكثر حضوراً بإقليم الناظور، والذي استند طويلاً إلى نفوذه في جماعة زايو وجماعة أولاد ستوت ومناطق أخرى، بات يواجه واقعاً سياسياً مختلفاً، بعدما كشفت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 عن فقدانه المقعد البرلماني الذي ظل يشغله لعقود. وهي خسارة لا تقتصر دلالتها على عدد المقاعد، بل تفتح الباب أمام مساءلة سياسية حول أسباب تراجع النفوذ الذي راكمه الحزب عبر سنوات طويلة.

في خضم هذا النقاش، يضع مراقبون للشأن المحلي أسلوب القيادة والتدبير الذي ارتبط بمحمد الطيبي ضمن العوامل التي تستحق التمحيص لفهم ما آل إليه وضع حزب الاستقلال بالناظور. فاستمرار الوجوه نفسها في مواقع المسؤولية لسنوات طويلة يطرح، في حد ذاته، سؤالاً مشروعاً حول فرص تداول المسؤولية، ومدى قدرة التنظيمات السياسية على إنتاج قيادات جديدة تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع والناخبون.

وتتركز الانتقادات الموجهة إلى تجربة الطيبي على ما يصفه منتقدوه بنهج يميل إلى تركيز القرار والتحكم في مفاصل العمل السياسي المحلي، مع محدودية الفرص المتاحة أمام وجوه جديدة للمشاركة في صناعة القرار وتولي المسؤوليات. وإذا صحت هذه الانتقادات، فإنها تضع الحزب أمام إشكال تنظيمي يتجاوز الأشخاص، ويتعلق بمدى احترام قواعد التنافس الداخلي، وإشراك المناضلين، وتوفير شروط تجديد النخب.

فالأحزاب السياسية لا تستمد قوتها من نفوذ قياداتها وحده، ولا تستطيع ضمان استمرار حضورها الانتخابي بالاعتماد على الرصيد التاريخي فقط؛ بل تحتاج إلى تنظيمات مفتوحة، وآليات ديمقراطية لاختيار المرشحين، ومساحات حقيقية أمام الشباب والطاقات الجديدة. وعندما يشعر جزء من المناضلين بأن فرص التقدم داخل الحزب محدودة، فإن ذلك قد يضعف الحافز على العمل التنظيمي، ويؤثر في تماسك القواعد وقدرتها على التعبئة خلال الاستحقاقات الانتخابية.

تكتسي هذه الانتقادات أهمية خاصة في زايو وأولاد ستوت، بالنظر إلى المكانة التي احتلها حزب الاستقلال في المنطقتين خلال مراحل انتخابية سابقة. فالتراجع الذي يتحدث عنه مهتمون بالشأن المحلي يفرض مراجعة طريقة تدبير الحضور الحزبي، ومدى نجاح القيادة في الحفاظ على ارتباط الحزب بقواعده، واستيعاب التغيرات التي طرأت على انتظارات الناخبين.

ويطرح هذا الوضع سؤالاً أساسياً :   كيف يمكن لحزب راكم تجربة انتخابية طويلة ونفوذاً محلياً مهماً أن يجد نفسه أمام خسارة مقعد برلماني ظل يحتفظ به لعقود؟ لا يمكن اختزال الجواب في عامل واحد دون معطيات دقيقة، غير أن الانتقادات المتعلقة بتدبير التنظيم، وتجديد الوجوه، وطبيعة العلاقة بين القيادة والمنتخبين، تظل من الملفات التي تستوجب نقاشاً سياسياً واضحاً ومسؤولاً.

كما أن أي قراءة جدية لما وقع ينبغي أن تتجاوز تبادل الاتهامات، لتبحث في مدى قدرة الحزب على الحفاظ على مناضليه، واستقطاب كفاءات جديدة، وتقديم مرشحين يحظون بثقة الناخبين، بدل الاكتفاء بالاستناد إلى أسماء ارتبطت بالمشهد المحلي لفترات طويلة.

إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب ذات الامتداد التاريخي يتمثل في قدرتها على الانتقال من مرحلة الزعامات التقليدية إلى مرحلة العمل المؤسساتي الذي يضمن التداول والتجديد. وفي هذا السياق، تثير التجربة المحلية المرتبطة بمحمد الطيبي نقاشاً حول حدود استمرار الشخصيات نفسها في مواقع النفوذ، ومدى تأثير ذلك في ظهور قيادات بديلة قادرة على حمل مشروع الحزب وتطوير حضوره.

ولا يتعلق الأمر بانتقاد شخص بسبب تقدمه في السن، بل بمساءلة سياسية حول تجديد المسؤوليات، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والمناضلين ، وضمان ألا يتحول النفوذ المتراكم إلى عائق أمام تطور التنظيم. فالمعيار الأساسي في العمل السياسي هو القدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، واحترام آليات الاختيار الداخلي، وإتاحة الفرصة أمام أجيال جديدة للمساهمة في تدبير الشأن العام.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية السياسية عن تراجع حزب الاستقلال بالناظور تقتضي نقاشاً يتناول قرارات القيادة المحلية، وطريقة تدبير الترشيحات والتحالفات، ومدى إشراك المنتخبين والمناضلين، إلى جانب عوامل أخرى مرتبطة بالمنافسة الانتخابية والتحولات التي تعرفها المنطقة. ولا يمكن الجزم بأن شخصاً واحداً يتحمل وحده مسؤولية النتائج دون أدلة ومعطيات تفصيلية تسمح بتقييم مختلف هذه العوامل.

مع اقتراب الانتخابات الجماعية المرتقبة في 2027، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام تحدٍّ سياسي وتنظيمي لا يمكن التقليل من أهميته. فاستعادة الثقة والإستمرار في رئاسة جماعة زايو التي ظل الحزب يقودها لزهاء نصف قرن ، لن تتحقق بمجرد إعادة ترتيب المواقع أو الاكتفاء بالشعارات، بل تتطلب مراجعة داخلية جدية، والاستماع إلى المناضلين، وتقييم أسباب الخسارة التشريعية، وإعادة بناء العلاقة مع الناخبين والمناضلين والمنتخبين على أساس برنامج واضح وممارسة سياسية أكثر انفتاحاً.

كما سيكون على الحزب أن يوضح ما إذا كان مستعداً لإعطاء مساحة فعلية للوجوه الشابة، وتطوير آليات اختيار المرشحين، وإنهاء كل الممارسات التي يعتبرها منتقدوه سبباً في إضعاف التنظيم وإقصاء بعض طاقاته. فالمعركة المقبلة لن تكون مجرد تنافس على المقاعد، بل اختباراً لمدى قدرة الحزب على تجاوز إرث المرحلة السابقة وإعادة بناء حضوره في جماعات كان يعتبرها من أبرز قواعده الانتخابية.

وفي المقابل، يظل من الضروري أن تستند محاسبة التجربة السياسية لمحمد الطيبي إلى وقائع محددة ونتائج قابلة للتحقق، مع إتاحة المجال أمامه لتوضيح موقفه من الانتقادات الموجهة إليه. فالمساءلة السياسية لا تعني إصدار أحكام مسبقة، بل تعني طرح الأسئلة الصعبة حول التدبير والنتائج والمسؤولية، والبحث عن أجوبة تساعد الناخبين على تقييم أداء ممثليهم وقياداتهم.

وبين خسارة المقعد البرلماني، والانتقادات المتعلقة بتدبير الحزب محلياً، ومطالب تجديد النخب، يبقى التحدي الأكبر أمام حزب الاستقلال بالناظور هو إثبات قدرته على مراجعة مساره واستعادة ثقة قواعده. أما انتخابات أكتوبر 2027، فستشكل محطة مهمة لقياس مدى نجاح هذه المراجعة، في ظل واقع انتخابي لم يعد يسمح لأي حزب بالاعتماد إلى ما لا نهاية على أمجاد الماضي أو على نفوذ أسماء إنتهى زمانها ، والتي ظلت حاضرة في المشهد المحلي لسنوات طويلة ، وفي مقدمتها محمد الطيبي .

25/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts