تواجه إسبانيا مؤشرات أزمة غذائية واقتصادية مقلقة، بعدما بات قطاع إنتاج الحليب ومشتقاته يواجه تراجعا غير مسبوق في عدد المزارع ومربي الأبقار الحلوب، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا النزيف قد يدفع البلاد، خلال السنوات العشر المقبلة، إلى استيراد نصف احتياجاتها من الحليب ومشتقاته، في تطور يضع أمنها الغذائي وسيادتها الإنتاجية أمام اختبار صعب.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم التحول الذي أصاب هذا القطاع الحيوي، إذ انتقل عدد مربي الأبقار الحلوب في إسبانيا من نحو 60 ألفا مطلع سنة 2000 إلى أقل من 9 آلاف سنة 2025، وفق معطيات وزارة الفلاحة الإسبانية، أي أن البلاد فقدت خلال ربع قرن أكثر من 51 ألف مربٍّ، في تراجع يعكس عمق الأزمة التي تضرب العالم القروي وسلاسل الإنتاج الغذائي.
وإذا أضيف منتجو حليب الماعز والأغنام، فإن عدد المهنيين النشطين في القطاع لا يتجاوز حاليا نحو 14 ألفا و800 شخص، بينما سجل عدد العاملين المستقلين في هذا النشاط انخفاضا إضافيا بنسبة 7 في المائة بين سنتي 2024 و2025 وحدهما.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تقلص في عدد المزارع، بل بتحول يهدد قدرة إسبانيا على تأمين احتياجات سوقها الداخلية، خصوصا أن الإنتاج المحلي لم يعد قادرا على مواكبة الطلب المتزايد، رغم ارتفاع متوسط حجم الضيعات، الذي انتقل من مزارع صغيرة تضم عشرة أو عشرين رأسا إلى وحدات إنتاجية يبلغ متوسط قطيعها حاليا نحو 90 رأسا من الأبقار.
وتتداخل وراء هذا التراجع عوامل متعددة، أبرزها شيخوخة العاملين في القطاع الفلاحي، وضعف المردودية الاقتصادية، وارتفاع الأعباء التي تثقل كاهل المربين، فضلا عن صعوبة ضمان انتقال النشاط بين الأجيال، في ظل تراجع جاذبية الاستثمار في تربية الماشية.
والأكثر إثارة للقلق أن إسبانيا أصبحت، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، الدولة الأكثر عجزا تجاريا داخل الاتحاد الأوروبي في قطاع المنتجات الحليبية، بعدما بلغ العجز سنة 2025 نحو مليار و500 مليون يورو، نتيجة الفارق الكبير بين قيمة الواردات والصادرات.
وتؤكد أرقام الإنتاج والاستهلاك اتساع الهوة، إذ لم يتجاوز إنتاج المزارع الإسبانية خلال السنة الماضية 8.4 ملايين طن من الحليب بمختلف أنواعه، في حين بلغ الاستهلاك ما يعادل 12.9 مليون طن، وفق مؤشر مكافئ الحليب الذي يحتسب أيضا الكميات المستخدمة في تصنيع مشتقاته، مثل الأجبان، التي يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد منها نحو ثمانية لترات من الحليب.
وأمام هذا الاختلال، أطلقت الفيدرالية الوطنية للصناعات الحليبية ناقوس الخطر، محذرة من أن استمرار المنحى الحالي سيجعل إسبانيا مضطرة إلى استيراد نصف حاجياتها من الحليب ومشتقاته في غضون عقد واحد، بعدما أصبحت الواردات تغطي حاليا نحو 35 في المائة من الاستهلاك الوطني.
وأكد رئيس الفيدرالية، خافيير روزا، أن الأزمة تبدأ من وضعية مربي الماشية، مشددا على أن المشاكل التي يواجهونها لم يعد بالإمكان تجاهلها، خصوصا في ظل سنوات من الشكاوى بشأن ضعف الأرباح والبيع بأسعار لا تغطي أحيانا تكاليف الإنتاج.
وتتهم التنظيمات الفلاحية شبكات التوزيع الكبرى باستعمال الحليب كمنتج لجذب المستهلكين إلى المتاجر، من خلال تخفيض أسعاره بشكل يضغط على المنتجين ويهدد استمرارية نشاطهم، وهي قضية فجرت في السابق مواجهات بين المربين والصناعات التحويلية ومجموعات التوزيع.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، وضعت الفيدرالية مجموعة من المقترحات أمام الحكومة الإسبانية المقبلة، تشمل تشجيع الابتكار، وتقليص الإجراءات البيروقراطية، وتخفيف الأعباء الإدارية والضريبية، وتحسين ظروف العيش في المناطق القروية، فضلا عن تحفيز الشباب على دخول القطاع وضمان انتقال المسؤولية بين الأجيال داخل المزارع.
كما تدعو إلى تعزيز اقتصاديات الحجم وتوسيع القدرة الإنتاجية للضيعات، مشيرة إلى أن إسبانيا تعد، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، الدولة الكبرى الوحيدة المنتجة للحليب داخل الاتحاد الأوروبي التي تفرض سقفا لعدد الأبقار في المزرعة الواحدة، محددا في 725 رأسا.
ويشكل الاستثمار في صناعة الجبن بدوره أحد الرهانات الأساسية لإنعاش القطاع، بالنظر إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة لهذا المنتج، الذي يمثل الجزء الأكبر من العجز التجاري الإسباني في المنتجات الحليبية. فقد استوردت البلاد خلال السنة الماضية 434 ألفا و844 طنا من الجبن، مقابل صادرات لم تتجاوز 131 ألفا و696 طنا، وهو فارق يكشف حجم الاعتماد المتزايد على الأسواق الخارجية.
وتراهن الفيدرالية على رفع الإنتاج الوطني من مشتقات الحليب وتحسين قيمتها التجارية، بما يسمح بتوسيع الطلب وتحسين الأسعار وتوفير حوافز حقيقية للمربين من أجل الحفاظ على ضيعاتهم، بدل التخلي عنها تحت ضغط الخسائر وتراكم التكاليف.
لكن خلف هذه الأرقام تكمن صورة أكثر قتامة من مجرد عجز تجاري أو تراجع في الإنتاج؛ إنها أزمة تمس أحد أعمدة الأمن الغذائي الإسباني، وتكشف كيف يمكن أن تتحول مزارع كانت تنتج غذاء البلاد إلى منشآت مهددة بالاختفاء، فيما تتسع دائرة الاعتماد على الخارج.
وهكذا، تجد إسبانيا نفسها أمام سباق مع الزمن: إما إنقاذ مزارعها وإعادة الاعتبار لمربي الماشية، أو الاستعداد لمستقبل تصبح فيه رفوف أسواقها أكثر اعتمادا على الحليب المستورد، بعدما فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على إنتاجه محليا. إنها مفارقة قاسية لبلد ينتمي إلى قلب الاتحاد الأوروبي، لكنه بات مهددا بأن يجد أمن أحد أبسط مكونات مائدته اليومية رهينا بما تنتجه مزارع الآخرين.
07/11/2026