في تطور صادم يضع إحدى أشهر المنظمات الإنسانية الدولية في قلب عاصفة أخلاقية وقانونية، قررت سويسرا تعليق جزء من تمويلها الموجه إلى منظمة “أطباء بلا حدود”، على خلفية تقارير خطيرة تتعلق باستغلال جنسي لنساء وفتيات سودانيات لاجئات في تشاد، وسط اتهامات للمنظمة بالتقصير في إبلاغ السلطات السويسرية بالحجم الحقيقي للتجاوزات التي تورط فيها عدد من العاملين ضمن طواقمها.
وكشفت تحقيقات داخلية أجرتها المنظمة عن رصد 59 بلاغا تتعلق بالعنف والاستغلال الجنسيين، ارتبطت خصوصا بنساء وفتيات فررن من جحيم الحرب في السودان ولجأن إلى الأراضي التشادية بحثا عن الأمان والمساعدة الإنسانية.
ولم تقف تداعيات التحقيق عند حدود تسجيل الشكايات، إذ انتهت الإجراءات التأديبية إلى فصل 18 موظفا، من بينهم ستة ينتمون إلى الفرع السويسري للمنظمة، وسط شبهات باستغلال الظروف المعيشية القاسية للاجئات، عبر تقديم المال أو فرص العمل أو المساعدات الإنسانية مقابل الحصول على خدمات جنسية.
وتكمن خطورة القضية في أن الاتهامات لا تتعلق فقط بسلوكيات فردية منسوبة إلى بعض العاملين، بل تمتد إلى طريقة تدبير المنظمة للبلاغات ومدى التزامها بإطلاع الجهات المانحة على حقيقة ما يجري داخل عملياتها الإنسانية.
وفي خطوة تعكس حجم الغضب الرسمي السويسري، قررت الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون تعليق صرف دفعة مالية بقيمة مليون و250 ألف فرنك سويسري، أي ما يعادل نحو مليون و520 ألف دولار، من أصل 6 ملايين و250 ألف فرنك تعهدت سويسرا بتقديمها للمنظمة خلال سنة 2026.
وتشير المعطيات إلى أن السلطات السويسرية كانت قد توصلت بأولى الإشارات المتعلقة بهذه التجاوزات منذ نونبر 2024، بعدما تلقت رسالة إلكترونية من موظفين بالمقر الرئيسي للمنظمة في جنيف، تفيد بأن ثلاث لاجئات أبلغن عن تعرضهن للاستغلال الجنسي في تشاد، وأن هذه الادعاءات كانت بالفعل موضوع تحقيق داخلي.
غير أن ما يثير علامات استفهام أكبر هو البطء الذي طبع تعامل السلطات مع الملف، إذ لم تتطور الاتصالات بشكل جدي إلا بعد أشهر، بينما كانت المنظمة تتلقى بلاغات إضافية وتتخذ إجراءات تأديبية بحق بعض العاملين، دون أن يصل الحجم الحقيقي لهذه التطورات إلى الوكالة السويسرية.
وانفجرت القضية على نطاق أوسع في يونيو 2026، عقب تحقيقات صحفية دفعت السلطات السويسرية إلى مطالبة منظمة “أطباء بلا حدود” بتقديم وثائق وتوضيحات بشأن الوقائع المسجلة، قبل أن تتأكد لديها، وفق وزارة الخارجية السويسرية، وجود إخلال بالالتزامات التعاقدية المرتبطة بالإبلاغ عن مثل هذه الحوادث.
وأمام تصاعد الضغوط، أقرت المنظمة بارتكاب أخطاء في طريقة تعاملها مع الملف، بينما لم تستبعد الحكومة السويسرية اتخاذ إجراءات إضافية، بما في ذلك فرض عقوبات وإجراء تحقيق خارجي مستقل لتحديد المسؤوليات وكشف ملابسات القضية.
ولن تتوقف تداعيات هذه الفضيحة عند حدود التمويل المجمد، إذ تعتزم سويسرا تشديد شروط الإبلاغ والمراقبة المفروضة على جميع المنظمات غير الحكومية الشريكة لها، ابتداء من سنة 2027، في محاولة لمنع تكرار مثل هذه التجاوزات وضمان عدم تحول المساعدات الإنسانية إلى مجال للإفلات من المحاسبة.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه السودان غارقا في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم، منذ اندلاع الحرب سنة 2023، بعدما دفعت المواجهات المسلحة مئات الآلاف من الأشخاص إلى الفرار نحو تشاد، حيث وجدوا أنفسهم أمام ظروف معيشية بالغة القسوة، جعلتهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.
وهكذا، تحولت المنظمة التي ارتبط اسمها لعقود بإنقاذ الأرواح ومساعدة ضحايا الحروب والكوارث إلى محور عاصفة من الأسئلة المحرجة: من يحمي اللاجئات عندما يصبح بعض المفترض فيهم حمايتهن موضع اتهام؟ ومن يراقب حراس المساعدات عندما تتحول الحاجة الإنسانية إلى وسيلة للابتزاز؟ إنها فضيحة لا تهدد ملايين الفرنكات فحسب، بل تضرب في العمق الثقة في العمل الإنساني، وتضع شعار “أطباء بلا حدود” أمام اختبار أخلاقي قاسٍ قد تكون كلفته أكبر بكثير من الأموال المجمدة.
07/11/2026