تحولت العاصمة المغربية الرباط، يومي الرابع والخامس من نونبر الجاري، إلى فضاء للحوار الثقافي والحضاري بين المغرب والصين، من خلال احتضان فعاليات “بكين الساحرة”، التي جمعت مسؤولين وأكاديميين وخبراء وطلبة مغاربة وصينيين، في مبادرة تروم تعزيز جسور التواصل بين البلدين وتوسيع مجالات التبادل الإنساني والثقافي.
وجاء تنظيم هذه التظاهرة بمبادرة مشتركة بين المكتب الإعلامي لحكومة بلدية بكين وجامعة محمد الخامس بالرباط، بهدف التعريف بالموروث الحضاري الصيني، واستحضار محطات التفاعل التاريخي بين الحضارتين المغربية والصينية، خصوصا عبر طريق الحرير، إلى جانب استكشاف آفاق التعاون المعاصر في مجالات الثقافة والتعليم والسياحة.
وشهد برنامج الفعاليات تنظيم مسابقة للخطابة باللغة الصينية تحت شعار “حوار الشباب حول الحضارتين الصينية والمغربية”، إلى جانب ندوة فكرية حملت عنوان “نجما طريق الحرير.. رسولا الحضارة”، سلطت الضوء على الرحلتين التاريخيتين للرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة ونظيره الصيني وانغ دا يوان، باعتبارهما نموذجين بارزين للتواصل بين الشعوب وتبادل المعارف والثقافات.
كما تضمن البرنامج عروضا لأفلام وثائقية حول العاصمة الصينية بكين، وأنشطة ثقافية متنوعة، فضلا عن معرض للسيارات الصينية، في محاولة لتقديم صورة متعددة الأبعاد عن الصين، تجمع بين عمقها التاريخي وتحولاتها التنموية والتكنولوجية المعاصرة.
وفي الرابع من نونبر، احتضنت الرباط الجولة النهائية لمسابقة الخطابة باللغة الصينية، التي عرفت مشاركة أكثر من مائة طالب ومتعلم لهذه اللغة من عدد من الجامعات المغربية، قبل أن يتمكن تسعة متسابقين من بلوغ المرحلة النهائية، حيث قدموا باللغة الصينية عروضهم حول بكين وثقافتها، معبرين عن اهتمام متزايد لدى الشباب المغربي بالتعرف على الحضارة الصينية والانفتاح على لغتها وثقافتها.
وشكل اليوم نفسه محطة مهمة في مسار التعاون الأكاديمي بين البلدين، من خلال تدشين مركز التعاون الصيني المغربي للثقافة والسياحة، الذي أحدث بشراكة بين جامعة الدراسات الدولية ببكين وجامعة محمد الخامس، بالتزامن مع توقيع اتفاقية إطار للتعاون بين المؤسستين الجامعيتين، بما يفتح المجال أمام مبادرات مشتركة في البحث العلمي والتبادل الطلابي والتكوين الثقافي والسياحي.
وفي الخامس من نونبر، واصلت الفعاليات أشغالها بتنظيم ندوة “نجما طريق الحرير.. رسولا الحضارة”، بمشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميين والشخصيات المغربية والصينية، حيث انصبت النقاشات على محورين أساسيين، يتعلق الأول بالرحالة القدماء ودورهم في نقل المعارف والتقريب بين الحضارات، فيما تناول الثاني طريق الحرير بصيغته الحديثة وآفاق التعاون المستقبلي بين البلدين.
واستحضرت الندوة تجربة ابن بطوطة ووانغ دا يوان باعتبارها شاهدا تاريخيا على قدرة الرحلات والاكتشافات على تجاوز الحدود الجغرافية، وتحويل التنقل والتبادل التجاري والثقافي إلى أدوات لبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع الذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والصين، وكذا احتفاء البلدين بعام التبادل الإنساني الصيني الإفريقي لسنة 2026، في سياق يتجه فيه التعاون الثنائي إلى تجاوز أبعاده الاقتصادية والتجارية نحو مجالات أكثر ارتباطا بالثقافة والتعليم والسياحة والتواصل بين المجتمعات.
وبين إرث ابن بطوطة ورحلات وانغ دا يوان، ورهانات طريق الحرير الجديد، تبدو الرباط وكأنها تستعيد دورها التاريخي كجسر للتواصل بين الحضارات، فيما تسعى بكين إلى توسيع حضورها الثقافي بالمغرب، في خطوة تؤكد أن الشراكات الاستراتيجية لا تُبنى بالاستثمارات والاتفاقيات وحدها، بل تحتاج أيضا إلى المعرفة المتبادلة والتقارب الإنساني، حتى تتحول العلاقات بين الدول من مصالح مشتركة إلى روابط راسخة بين الشعوب.
07/11/2026