kawalisrif@hotmail.com

الإعلام الإسباني يكتشف «الدور المغربي» متأخراً… واشنطن تراهن على الرباط في مجلس السلام لغزة

الإعلام الإسباني يكتشف «الدور المغربي» متأخراً… واشنطن تراهن على الرباط في مجلس السلام لغزة

مرة أخرى، يجد الإعلام الإسباني نفسه مضطراً للاعتراف—ولو على مضض—بثقل المغرب في المعادلات الدولية، بعدما أعلنت الولايات المتحدة أن الرباط كانت أول دولة تنضم إلى ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخصوص غزة والشرق الأوسط.

صحف مدريد، التي اعتادت قراءة التحولات الجيوسياسية من نافذة ضيقة، حاولت تقديم الحدث على أنه «مبادرة ترامب المثيرة للجدل»، متناسية—أو متجاهلة—أن اختيار المغرب كعضو مؤسس ليس تفصيلاً عابراً، بل رسالة سياسية واضحة تعكس موقع المملكة كشريك موثوق وفاعل لا يمكن تجاوزه.

وسائل إعلام إسبانية، من بينها إل إسبانيول، نقلت تصريحات السفير الأميركي في الرباط، ديفيد فيشر، الذي تحدث عن «مستقبل مشرق» ينتظر الولايات المتحدة والمغرب في إطار هذا المجلس، لكنها سارعت في المقابل إلى إغراق الخبر بتوصيفات جانبية ومحاولات تشويش، وكأن المشكلة ليست في الحدث نفسه، بل في كونه يُظهر مرة أخرى تقدّم الدبلوماسية المغربية على حساب الحسابات الإسبانية المرتبكة.

فالمغرب، وبقرار سيادي هادئ، قبل دعوة واشنطن للانضمام إلى مجلس السلام كعضو مؤسس، وصادق على ميثاقه التأسيسي، انطلاقاً من رؤية واضحة تعتبر أن أي مبادرة دولية لا يمكن أن تنجح دون الاستناد إلى الاستقرار، والشرعية، والعمل الميداني—وهي عناصر راكمتها الرباط على مدى عقود.

الإعلام الإسباني، الذي لم يُخفِ انزعاجه من الغياب الصحي للملك محمد السادس عن مراسم التوقيع في دافوس، اضطر في النهاية إلى نقل موقف المغرب الرسمي: دعم سلام عادل ودائم، وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. موقف ثابت لم يتغير، بخلاف تقلبات الخطاب الأوروبي.

أما الحضور المغربي، فمثّله وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي بدا—بشهادة الصور نفسها—أقرب إلى صناع القرار الأميركي من كثير من القادة الأوروبيين الذين فضلوا البقاء على الهامش، ثم الاكتفاء بالتعليق من بعيد.

وبينما ركزت الصحافة الإسبانية على الجوانب المالية للمجلس، وتحدثت بإلحاح عن «مليار دولار للعضوية»، غاب عنها أن المغرب لم يدخل هذا الإطار كزبون سياسي، بل كفاعل مؤسس، بخلفية دبلوماسية جعلته يحظى بثقة واشنطن، في وقت اعتذرت فيه عواصم أوروبية كبرى عن المشاركة.

بل إن بعض المنابر الإسبانية لم تُخفِ حرجها من تذكير تقاريرها بأن الرئيس الأميركي وجّه دعوات لقادة أوروبيين قوبلت بالرفض، باستثناء دول هامشية في الاتحاد الأوروبي، ما يعمّق الإحساس بأن المغرب بات أقرب إلى مراكز القرار من جيرانه في الضفة الشمالية.

ولم يكن ممكناً للإعلام الإسباني المرور على الخبر دون التوقف—بشيء من الانزعاج—عند تأكيد الرباط، خلال لقاءات رسمية مع وفد من الكونغرس الأميركي، على دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. دعمٌ تصفه مدريد إعلامياً بـ«المثير للجدل»، بينما تراه الرباط ومعها قوى دولية وازنة الحل الواقعي الوحيد.

أما الحديث عن انتظار زيارة ترامب للمغرب، وإمكانية تطرقه إلى ملفات «أقاليم إسبانية أخرى»، مثل سبتة ومليلية المحتلتين، فقد جاء في الصحافة الإسبانية بصيغة تساؤل مرتبك، يعكس أكثر مما يخفي قلقاً مزمناً من عودة هذه الملفات إلى الواجهة الدولية

باختصار، حاول الإعلام الإسباني التقليل من أهمية انضمام المغرب إلى مجلس السلام، لكنه انتهى—دون أن يقصد—إلى تأكيد حقيقة واحدة:
المغرب يُدعى، يُستشار، ويُعتمد عليه… بينما يكتفي آخرون بالتعليق والتهكم من الصفوف الخلفية.

وهي معادلة باتت تتكرر كثيراً، إلى درجة أن السخرية لم تعد في الموقف المغربي، بل في الطريقة التي تحاول بها بعض المنابر الإسبانية إخفاء واقع لم يعد قابلاً للإنكار.

29/01/2026

مقالات خاصة

Related Posts