kawalisrif@hotmail.com

العيون سيدي ملوك :     من قرية منسية إلى مختبرات إسبانيا… كاميليا السامحي تكسر العمر والمرض وأحكام المجتمع

العيون سيدي ملوك : من قرية منسية إلى مختبرات إسبانيا… كاميليا السامحي تكسر العمر والمرض وأحكام المجتمع

رحلة امرأة مغربية من قرية بسيطة إلى قلب مختبرات البحث في إسبانيا، متحدية الأحكام المسبقة ومسقطة كل السقوف الوهمية.

في زمنٍ تُختصر فيه الأحلام عند أول عثرة، تكتب المغربية كاميليا السامحي قصة مختلفة، عنوانها العريض: الإصرار أقوى من المستحيل. امرأة خرجت من قرية صغيرة شرق المملكة، تحمل في ذاكرتها رسومات طفلة كانت ترى في الجدران مشاريع، وفي البيوت أفكارًا، لتجد نفسها اليوم باحثة في سلك الدكتوراه، ومهندسة معمارية، وأمًا لأربع بنات، كلهن في مسارات علمية لافتة.

كاميليا، المولودة سنة 1980، لم تكن تدري أن دروس التربية الفنية بمدرسة العيون الشرقية – سيدي ملوك بإقليم تاوريرت ستتحول يومًا إلى نواة حلم كبير. كانت ترسم المباني، تفكك أشكالها، وتبحث عن حلول قبل أن تعرف معنى كلمة «هندسة». كان الحلم واضحًا… لكن الطريق كان مليئًا بالأشواك.

سنة 1998، شدّت الرحال إلى إسبانيا رفقة زوجها. هناك بدأت حياة جديدة، وأنجبت أربع بنات، وتعلّمت اللغة الإسبانية، واندغمت في المجتمع، غير أن حلم العمارة لم يغادرها يومًا. وفي سن الثلاثين، اتخذت قرارًا جريئًا: العودة إلى الدراسة من الصفر.

بدأت من التعليم الإعدادي ضمن مسار تعليم الكبار، ثم أنهت الباكالوريا، وفي سنة 2014 التحقت بالمدرسة العليا للهندسة المعمارية بجامعة البوليتكنيك بكارتاخينا. كانت تتنقل إلى الجامعة بالحافلة، وأحيانًا رفقة إحدى بناتها التي بدأت بدورها الدراسة الجامعية… مشهد غير مألوف، لكنه كان رسالة صامتة وقوية.

داخل أسوار الجامعة، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. فقد واجهت كاميليا نظرات قاسية وأحكامًا مسبقة، بسبب سنها، واختلافها عن الطلبة الشباب، وأحيانًا بسبب ارتدائها الحجاب وكونها مسلمة. وفي المقابل، حظيت أيضًا بنظرات إعجاب واحترام، خاصة من شباب رأوا فيها نموذجًا نادرًا للإصرار وكسر القوالب الجاهزة.

ثماني سنوات استغرقتها الدراسة، تخللتها محطات قاسية: رسوب متكرر، صعوبات لغوية، وإرهاق نفسي وجسدي. ثم جاءت الضربة الأصعب، حين توقفت سنتين كاملتين بسبب خضوعها للعلاج الكيميائي. حضرت والدتها من المغرب لرعايتها، لكنها أُصيبت بدورها بالسرطان، ورحلت بعد صراع مؤلم.

قبل وفاتها، قالت لها جملة ستبقى محفورة في ذاكرتها:
«ابنتي، قد لا أراكِ، لكن حققي حلمك».

بعد شهر واحد فقط، عادت كاميليا إلى الجامعة… لا لتستكمل الدراسة فحسب، بل لتنتصر.

تخرجت مهندسة معمارية، وحصلت على عدة شواهد عليا، من بينها ماستر في تكنولوجيا البناء، وماستر في منهجية BIM، وماستر في الوقاية من المخاطر المهنية. واليوم، تتابع سلك الدكتوراه في علم وتكنولوجيا البناء المتقدم، وتعمل على بحث علمي مبتكر يهدف إلى تطوير طوب بيئي مصنوع من الفطريات، في تقاطع ذكي بين العمارة والبيئة والاستدامة.

تقول كاميليا إن بناتها الأربع كنّ وقودها الحقيقي في كل لحظة ضعف، إذ كانت تشعر أن استسلامها لن يعني خسارتها وحدها، بل تلقين أربع فتيات درسًا قاسيًا في الانكسار. واليوم، تحصد ثمار ذلك الإصرار: ابنة مهندسة، وأخرى تتابع دراستها في الطب، وثالثة في تخصص البصريات، ورابعة تشق طريقها في الباكالوريا العلمية، ليغدو البيت الذي جمعهن ورشة أمل حقيقية. ومن هذه التجربة، تختزل كاميليا رسالتها في كلمات قليلة لكنها عميقة الدلالة: لا تتركوا الدراسة، فالتعليم لا يضمن فقط البقاء، بل يمنح حرية الاختيار، ويفتح أبوابًا قد لا نراها اليوم، لكنها قادرة على تغيير حياتنا غدًا.

ليست قصة كاميليا السامحي مجرد نجاح فردي، بل مرآة لآلاف المغربيات اللواتي يحملن أحلامًا مؤجلة، ويؤجلن أنفسهن خوفًا من العمر أو المرض أو نظرة المجتمع.

قصتها تقول لهن شيئًا واحدًا:

أحيانًا، لا يكون الانتصار في الوصول فقط… بل في العودة من حافة الاستسلام، والمضيّ قدمًا رغم كل شيء.

09/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts