في خطوة فجّرت موجة غضب عارمة داخل الأوساط المهنية، جاء قرار تجميد نشاط وحدات تجميد وتصبير السردين بمدينة العيون كصفعة اقتصادية واجتماعية غير محسوبة العواقب، أعادت إلى الواجهة منطق القرارات الفوقية التي تُتخذ من مكاتب مكيفة وتُنفّذ فوق ظهور العمال والمهنيين. فالقطاع الذي يشكّل شرياناً حيوياً للاقتصاد المحلي وجد نفسه فجأة أمام شلل شبه كامل، دون أي حوار مسبق أو تصور بديل يضمن الاستمرارية ويحمي من الانهيار.
البيان الصادر عن ANICOM، الجمعية الوطنية لصناعات تجميد منتوجات البحر، كان واضحاً في لهجته الغاضبة، إذ وصف القرار بالارتجالي والمدمّر، محمّلاً الجهات الوصية مسؤولية ضرب استقرار عشرات المقاولات ومئات مناصب الشغل دفعة واحدة. فالمعامل التي تعيش أصلاً تحت ضغط الديون وارتفاع التكاليف لم تعد قادرة على تحمّل صدمات إضافية، ما يجعل الإفلاس الجماعي سيناريو أقرب إلى الواقع منه إلى التخويف.
ولا يقف الضرر عند أبواب المصانع المغلقة، بل يمتد كسلسلة متفجرة لتشمل البحارة والناقلين والباعة، وكل من يرتبط رزقه بالسردين الذي يُعد العمود الفقري للقطاع البحري المحلي. والأخطر أن القرار يهدد تموين السوق المحلية بمصدر غذائي أساسي للفئات الشعبية، في وقت تحوّل فيه السمك عالي الجودة إلى سلعة للنخبة، ما يفتح الباب أمام ارتفاع الأسعار واتساع دائرة الهشاشة الغذائية.
ويرى المهنيون أن ما يجري لا يمكن فصله عن منطق الإقصاء والتجفيف التدريجي للنسيج الصناعي المحلي لصالح مصالح ضيقة ولوبيات تتحرك في الظل، معتبرين أن خنق الوحدات الإنتاجية بالمنع بدل الإصلاح والتنظيم هو وصفة جاهزة لقتل الاستثمار وتشريد العمال. فبدل مواكبة القطاع وتحديثه وضبط اختلالاته، اختير الطريق الأسهل: الإغلاق والتجميد والعقاب الجماعي.
وأمام هذا الوضع المتفجر، يلوّح المتضررون بالتصعيد والدفاع عن حقهم في الشغل والعيش الكريم، محذرين من أن استمرار هذا النهج لن يقود إلا إلى احتقان اجتماعي واسع، ستكون كلفته أعلى بكثير من أي إصلاح مزعوم. فحين تتحول القرارات الإدارية إلى قنابل اقتصادية، يصبح السؤال المشروع اليوم: هل المطلوب تنظيم قطاع استراتيجي يخدم التنمية المحلية، أم تصفيته بهدوء على حساب آلاف الأسر؟
