في زمن التحولات الكبرى التي تعيد ترتيب موازين القوى وتُسقط أوهام الانفصال واحدًا تلو الآخر، لم يعد نزاع الصحراء المغربية مجرد ملف إقليمي عالق، بل تحوّل إلى ورقة دولية ساخنة تُدار بمنطق المصالح والواقعية السياسية لا بالشعارات البالية. وبينما يراهن خصوم المملكة على الزمن والضجيج الإعلامي، كان المغرب ينسج بصبر استراتيجي مسار الحسم الهادئ الذي أوصل القضية إلى عتبة الحل الحقيقي.
بعد عقود من الصراع والتعثر، يطل ملف الصحراء المغربية على مرحلة حاسمة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. سنوات من المفاوضات المكثفة والضغط الدولي المتزايد وضعت المملكة على أعتاب تحول تاريخي، حيث لم يعد مشروع الحكم الذاتي الموسع مجرد فكرة على الورق، بل أضحى تصورًا عمليًا قابلًا للتنفيذ تحت السيادة الكاملة للمغرب، في ظل تحولات دراماتيكية في مواقف القوى الإقليمية والدولية.
الخطوة الدبلوماسية الجديدة تقوم على مقترح شامل قدّمه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال أول مفاوضات مباشرة منذ سنة 2019، استضافتها العاصمة الإسبانية مدريد بحضور ممثلين عن الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. الخطة، الممتدة على أربعين صفحة، تستلهم نماذج حكم ذاتي ناجحة مثل كاتالونيا وغرينلاند، وتقترح مؤسسات منتخبة بصلاحيات واسعة مع الحفاظ على السيادة المغربية الكاملة.
وينص المقترح على أن يقوم جلالة الملك محمد السادس بتعيين رئيس الحكومة الجهوية، على أن يكون مسؤولًا أمام برلمان إقليمي منتخب يضم ممثلين عن القبائل الصحراوية، مع احترام خصوصياتهم الاجتماعية والثقافية. أما الصيغة النهائية للحكم الذاتي، فستُعرض على استفتاء وطني يشمل جميع المغاربة، في تأكيد سياسي وقانوني على أن الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني.
ويرى مراقبون سياسيون أن أبرز تحول في هذه الجولة يتمثل في انخراط الجزائر في نقاشات الحكم الذاتي، في مؤشر واضح على فعالية الضغط الأمريكي. فقد باتت الولايات المتحدة تعتبر تسوية النزاع أولوية دبلوماسية قصوى، وهو ما منح المقترح المغربي زخماً غير مسبوق، في وقت تراجعت فيه أطروحة الانفصال وتقلّص هامش المناورة لدى البوليساريو بعد سنوات من الجمود الدولي.
كما يعكس حضور شخصيات أمريكية رفيعة في اجتماعات مدريد، إلى جانب استمرار دور المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، تحول مركز الثقل من مسارات التفاوض التقليدية داخل الأمم المتحدة إلى مقاربة سياسية أكثر مباشرة تقودها واشنطن.
ومع تسارع هذه التطورات، يقترب نزاع الصحراء المغربية من منعطف تاريخي حاسم، يجمع بين رؤية مغربية ناضجة وضغط دولي متصاعد وتغيّر ملموس في مواقف قوى إقليمية وازنة. تسوية باتت اليوم أقرب من أي وقت مضى، بعدما أنهكت المنطقة عقود من التسويف والمناورات العقيمة.
أما دعاة الانفصال الذين ظلوا يراهنون على أوهام الخرائط الورقية والخطابات الثورية البالية، فيبدو أن الواقع الدولي قرر أخيرًا أن يوقظهم من سباتهم الطويل: فالصحراء لا تُدار بالشعارات، والسيادة لا تُنتزع بالأحلام، ومن فاته ركب السياسة الواقعية… فلن يلحق به ولو كتب بياناته على رمال الصحراء نفسها!
15/02/2026