بمناسبة الذكرى المئوية لنهاية “حرب الريف” (1926-2026)، وفي وقت لا يزال فيه التاريخ المشترك بين ضفتي المتوسط يثير الكثير من الأسئلة، يترقب الوسط الثقافي والأكاديمي صدور المؤلف الجديد للكاتب والباحث الدكتور أمحمد لشقر، بعنوان: “عبد الكريم من منفى إلى منفى: المجلد الثاني، مصر”.
يأتي هذا العمل ليميط اللثام عن حقبة شديدة الحساسية من حياة أسد الريف، محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتحديداً سنوات لجوئه في القاهرة التي تحولت إلى مركز ثقل للمقاومة المغاربية. وفي مقتطف خاص من الكتاب، ينقله لنا الدكتور لشقر، نكتشف تفاصيل “معركة صامتة” دارت رحاها عام 1952، لم تكن بالجند والبارود هذه المرة، بل على أعمدة كبريات الصحف العالمية.
نص المقتطف: عبد الكريم وجهًا لوجه مع فرانكو.. صراع الإرادات في “نيويورك تايمز”
في مطلع عام 1952، وبينما كانت هيبة عبد الكريم الخطابي تترسخ في القاهرة، مدفوعةً بتوافد المناضلين الجزائريين الشباب الذين جاؤوا يطلبون عنده الاستمرارية والشرعية، أدركت إسبانيا أنها لا تستطيع البقاء ساكنة. وفهموا في مدريد كما في تطوان أن الصمود لم يعد كافياً، بل صار لزاماً عليهم نهج سياسة “الإغواء”.
قام المندوب السامي الجديد، خوان غارسيا فاليينو، بتخفيف الخط المتشدد الذي تبناه سلفه، ودشّن سياسة انفتاح تجاه الوطنيين المغاربة في المنطقة الشمالية. وهكذا حلت استراتيجية تهدئة حذرة محل المواجهة؛ فمُدّت اليد لأولئك الذين كانوا يراقبون الحماية الإسبانية بعين الريبة من طنجة، وسُمح بعودة المنفيين، وفُتحت الأبواب مجدداً. وكان الطريس أول من عبر العتبة؛ ففي بداية يناير 1952، طلب وساطة الخليفة الحسن بن المهدي للحصول على إذن بالعودة إلى تطوان، وفي 9 يناير استعاد مدينته المسقط، ثم تبعه بنونة. وشيئاً فشيئاً، استعادت عاصمة المنطقة الإسبانية زخم النشاط الوطني الذي كانت طنجة قد احتكرته لفترة، وأعادت مقرات الحزب الإصلاحي فتح نوافذها المطلة على الأزقة البيضاء في الشمال.
خلف هذه البادرات، كانت نية فرانكو واضحة: التميز عن فرنسا المتخبطة في توتراتها مع السلطان والوطنيين. أرادت مدريد أن تظهر بمظهر الأكثر مرونة، والأكثر اهتماماً، بل وحامية للهوية العربية الإسلامية للمغرب. وسرعان ما تجاوزت هذه الاستراتيجية إطار الحماية؛ إذ أدرك فرانكو أن الرهان الأساسي لم يعد يُلعب في تطوان وحدها، فسعى منذ ذلك الحين إلى إيصال رسالته وراء الحدود الإسبانية والمغربية. وكان الوسيط المختار هو صحيفة “نيويورك تايمز” المرموقة، التي وافقت على إرسال رئيس قسمها الخارجي، “سي. إل. سولزبيرجر” إلى مدريد، وهو الصحفي نفسه الذي أعار دفتره وأصغى في العام السابق لزعيم الريف الأسبق.
في المقابلة التي أُجريت في 29 يناير 1952 ونُشرت في 7 فبراير، بذل فرانكو قصارى جهده ليظهر كشريك “مقبول” للعالم العربي الإسلامي. وأكد أن إسبانيا ليست قوة استعمارية كغيرها، بل هي أمة مرتبطة بالعالم العربي عبر التاريخ وعبر تقارب روحي كان يحب التأكيد عليه بين الإسلام والكاثوليكية الإسبانية. كما استدعى شبح الشيوعية، محذراً من أن الغرب إذا لم يدعم “سياسته العربية” الليبرالية، فإن الوطنية المغاربية قد تنزلق نحو موسكو.
وأصر على أنه الوحيد القادر على توجيه هذه التطلعات دون فقدان السيطرة أمام زحف “الخطر الأحمر”. ولإثبات صدق انفتاحه، أعلن أن إسبانيا مستعدة للسماح بعودة معارضيها القدامى، سواء كانوا جمهوريين إسبان أو وطنيين مغاربة.
في باريس، كان رد الفعل فورياً؛ إذ ندّدت الصحافة الفرنسية بما اعتبرته “مناورة غادرة”، و”سياسة غربية” صورية تهدف إلى إضعاف النفوذ الفرنسي في المغرب العربي. ولم تغب السخرية عن أحد؛ فرؤية المسؤول السابق عن الحملات القمعية في الريف، ثم الفاعل الرئيسي في الحرب الأهلية الإسبانية، وهو ينصب نفسه مدافعاً عن الحرية والعدالة، كان أمراً يثير الغرابة. وذهبت بعض الصحف إلى وصف الأمر بأنه “طعنة في الظهر” بين القوى الحامية.
أما في واشنطن، فقد كان الصدى أكثر توازناً، بل وإيجابياً أحياناً. فبعد أيام قليلة من النشر، ذهب السفير الأمريكي في مدريد إلى حد الاقتراح بأن فرانكو قد يصبح وسيطاً طبيعياً بين الغرب والشرق الأوسط.
من جهته، لم ينخدع عبد الكريم. فقد قرأ في تصريحات عدوه القديم محاولة لاستمالة أولئك الذين ما زالوا يترددون في المغرب بين الإصلاح والقطيعة. كان يُعرض عليهم “إصلاح تحت الوصاية” بدلاً من الثورة، وقيل إن “نور التسوية خير من ظلام الانتفاضة”.
وهكذا، بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً، بدا أن ساحة المعركة قد انتقلت. فمن بعيد، واصل عبد الكريم وفرانكو مواجهتهما، ليس تحت نيران جبال الريف القاسية، بل في حلبة من نوع آخر: الأسلحة بالأمس، والكلمات اليوم. وبفارق عشرة أشهر، وفي الصحيفة نفسها والأعمدة ذاتها، تصدّى صوتان نقيضان لبعضهما البعض. خصما حرب الريف القديمان يتنازعان الآن على المنبر نفسه والجمهور نفسه؛ في مبارزة إعلامية غريبة. في القاهرة، كان عبد الكريم يتحدث كمنفيٍّ، كرجل الرفض، وباسم “معذّبي الأرض”، محولاً منبر نيويورك إلى صدى لتدويل القضية المغاربية. أما فرانكو، فكان يتحدث كسيد، كرجل نظام، وباسم المنتصرين، ساعياً لطمأنة الدوائر الدبلوماسية وحجز مكان لنفسه في التوازنات الاستراتيجية لما بعد الحرب.
وبدت أمريكا، التي صارت القوة الأولى في العالم، مجرد حكم بعيد. لكن خلف هذا التحفظ المعلن، كانت تلوح حقيقة أكثر صلابة: كان مضيق جبل طارق محوراً استراتيجياً، وقواعدها المزروعة بالفعل في المغرب كما في إسبانيا، كانت تشي بالكثير عن اهتمام بالمنطقة يفوق بكثير ما كانت تعترف به.
— كلمة لا بد منها
إن ما يقدمه الدكتور أحمد لشقر في هذا المجلد الجديد ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو غوص عميق في سيكولوجية الصراع السياسي والدبلوماسي. إنه كتاب يعيد الاعتبار لفترة “المنفى القاهري” كغرفة عمليات سياسية أدارها الخطابي بذكاء وتفانٍ.
ينتظر القراء بشغف صدور الكتاب كاملاً، والذي يعد بإضافة نوعية للمكتبة التاريخية المغاربية والعالمية، تزامناً مع مئوية طوت صفحات الحرب لكنها لم تطوِ ذاكرة النضال.
17/02/2026