kawalisrif@hotmail.com

فقه الصيام على مذهب مالكٍ الإمام

فقه الصيام على مذهب مالكٍ الإمام

بقلم :   ذ ، محمد المهدي اقرابش

إن مما جرى على ألسنة الفقهاء للتعبير عن ظرفٍ أو مناسبةِ الحديث عن موضوعٍ راهن، قولهم: «إن المناسبة شرط أو المناسبة قيد».

ومناسبة مقالتي هاته للقارئ الكريم هي شهر رمضان المبارك. وسأحاول أن أبسط فيها فقه الصيام على مذهب إمام المدينة المنورة مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وسأسلك فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً طريقةَ من تقدّم من الفقهاء في بسط الأحكام الشرعية، بأسلوب فقهي مختصر وجامع مانع. وإن هي إلا محاولة رغم قلة الزاد وقصر الباع، ولكن يكفي شرفًا محاولة الانتساب إلى أهل العلم والفقه.

وعليه فالصوم هو الكف والإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد، وصوم رمضان هو من أركان الإسلام الخمسة. وله فوائد وفضائل، إذ يُكْسِبُ العبدَ التقوى والصبر، ويشيع بين المؤمنين خصال الرحمة والإحسان. ويُعْرَفُ دخول رمضان برؤية الهلال بالعين، أو بالخبر المنتشر المستفيض الذي يفيد اليقين أو الظن الغالب، أو بشهادة عدلين كما هو مشهور، أو بإتمام شعبان ثلاثين يومًا.

ويوم الشك يُسمّى كذلك إذا كانت السماء غائمة ليلة يوم قد يكون هو اليوم الثلاثين من شعبان أو يكون غرة رمضان، و«أو» حرف يفيد الشك. وصوم يوم الشك صباحًا واحتياطًا للتحقق مندوب. أما إذا كانت السماء صافية تلك الليلة لم يكن يومها يوم الشك، لأنه من شعبان جزماً إذا لم تثبت رؤية الهلال، وصومه في هذه الحالة للاحتياط مكروه.

وشروط الصوم الإسلام والبلوغ والعقل والطهارة من دم الحيض والنفاس والاستطاعة. ومندوباته صوم بقية اليوم لمن أسلم في نهار رمضان، وكف اللسان والجوارح عن الفضول، وتعجيل الفطر على رُطبات (تمر) وترًا أو حسوات من الماء، وتأخير السحور، والصوم في السفر. ويُكره للصائم مضغ العلك ومقدمات الجماع ولو بالفكر والنظر، وشم الطيب بالنهار.

ومن فقد عقله أو أُغمي عليه وقت تثبيت النية، أي وقت الفجر، فعليه القضاء لعدم صحة صومه لزوال عقله. ووجب عليه القضاء إذا أُغمي عليه بعد الفجر نصف أو جل أو كل يومه. وتصوم المرأة إذا طهرت قبل الفجر أو عند طلوعه بالقصة البيضاء (مادة بيضاء) أو بالجفوف. وإذا شكّت هل طهرت قبل أو بعد الفجر فإنها تصوم وتقضي ذلك اليوم بسبب احتمال طهرها بعد الفجر.

والمسافر في سفر مباح إلى مسافة 84 كلم هو على الخيار: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وعند وصوله وجب عليه الصوم وإتمام الصلاة إن نوى الإقامة أربعة أيام. أما إن نوى الإقامة أقل من أربعة أيام فله أن يفطر ويقصر الصلاة الرباعية.

ولا بد أن تكون مسافة القصر والفطر دفعة واحدة، لا أن تُقطّع أو تُلفّق ذهابًا وإيابًا. ومن سافر لمعصية فإنه يصوم إلزامًا ووجوبًا.

ويباح الفطر للمريض بسبب خوف زيادة المرض أو تأخر الشفاء، ويحرم عليه الصوم إن كان الضرر شديدًا عليه.

ويجوز للمرأة الحامل أن تفطر إذا خافت الضرر على جنينها أو خافت المرض على نفسها. أما المرضع فإنها تفطر إذا خافت ضررًا على الرضيع ولم تجد له مرضعًا أو لم يقبل غيرها. ولا إطعام على الحامل والمرضع بل القضاء فقط لأنهما في حكم المريض. وقيل تطعم المرضع التي أفطرت خوفًا على ولدها مُدًّا للمسكين عن كل يوم.

ويُستحب للشيخ الهرم إذا عجز عن الصوم أن يطعم ولا قضاء عليه. والإطعام بمُدٍّ نبوي من طعام أهل البلد للمسكين عن كل يوم، وله أن يزيد عن المُدّ. ويجوز إخراج الفدية في اليوم أو بعده أو بعد تمام أيام القضاء.

وتكفي نية واحدة لصيام شهر رمضان، وتُجدّد النية بعد انقطاع الصوم بسبب مرض أو سفر. ويوقع الصائم النية في وقت يمتد من الغروب إلى جزء أخير من الليل قبل الفجر، أو يوقعها عند طلوع الفجر. ووجب على من تعمد الفطر في نهار رمضان القضاء ثم الكفارة، والكفارة على الخيار بين صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا.

ومن غلبه قيء فلا شيء عليه، أما إذا استقاء فإنه يقضي، وإذا رجع شيء من القيء المتعمد إلى الجوف فمن العلماء المالكية من رأى بالقضاء والكفارة. ومن أفطر الفرض ناسيًا فإنه يمسك فور تذكره ويتم يومه صومًا ويقضيه، وقد رفع الله عنه الكفارة بسبب نسيانه لأن الله أطعمه وسقاه.

قال الله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»
سورة البقرة الآيتان: 183–184.

21/02/2026

مقالات خاصة

Related Posts