في تطور أمني يكشف تحولات عميقة وخطيرة في بنية الجريمة المنظمة جنوب إسبانيا، أعلنت الشرطة الوطنية، بتنسيق مع وكالة “يوروبول” وتعاون أمني أوروبي، عن تفكيك تنظيمين إجراميين كانا يشتغلان بمنطق “المقاولة المتكاملة”، مقدّمين خدمات لوجستية شاملة لشبكات تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية. العملية لم تتوقف عند حدود توقيف 24 شخصاً، بل كشفت عن منظومة معقدة تُدار بعقلية احترافية، تُشبه اقتصاداً موازياً قائماً بذاته، يمتد بين ألميريا وغرناطة ويرتبط بخيوط عابرة للحدود.
ووفق المعطيات الرسمية، فقد تم إيداع 14 موقوفاً السجن الاحتياطي، بينما يُتابع الباقون في إطار التحقيقات الجارية، بتهم ثقيلة تشمل تسهيل الهجرة غير النظامية، والاتجار بالمخدرات، والتهريب، وتزوير الوثائق، والانتماء إلى منظمة إجرامية، إلى جانب جرائم السرقة وتبييض الأموال. وهي لائحة تُبرز حجم النشاط الإجرامي وتعقيد بنيته، حيث لم تعد هذه الشبكات مجرد وسطاء، بل تحولت إلى فاعل مركزي ينسّق ويغذي مختلف حلقات التهريب.
هذه التنظيمات لم تكن مجرد جزء من السلسلة، بل كانت قلبها النابض. فقد وفّرت كل ما تحتاجه شبكات التهريب: زوارق سريعة، محركات قوية، إمدادات وقود في عرض البحر، دعم تقني ولوجستي، معلومات ميدانية، وحتى خدمات الإيواء والنقل. إنها “خدمة شاملة” يتحول فيها المهرب إلى زبون، والإنسان إلى سلعة، والبحر إلى ممر مفتوح نحو المجهول. بل إن هذه الشبكات كانت تؤجر زوارق “الناركو” لاستعمالها في نقل مهاجرين من السواحل الإفريقية نحو إسبانيا، مقابل أرباح ضخمة.
بداية الخيط تعود إلى أكتوبر 2024، عندما تم اعتراض قارب يقل 24 مهاجراً قبالة سواحل ألميريا، لتقود التحقيقات لاحقاً إلى كشف شبكة أوسع، مرتبطة بتنظيمات أخرى تنشط في تهريب البشر والمخدرات. ومع تعمق الأبحاث، تبيّن أن هذه المجموعات كانت توفر خدماتها لعدة شبكات في آن واحد، ما جعلها بمثابة العمود الفقري لمنظومة التهريب، قادرة على التكيف وتغيير المسارات دون أن تنهار.
ولم تتوقف أنشطتها عند هذا الحد، بل امتدت إلى سرقة محركات القوارب من مستودعات قضائية وإعادة ضخها في السوق السوداء، إضافة إلى زراعة القنب الهندي داخل مزارع مغلقة، في تنويع واضح لمصادر التمويل. كل ذلك كان يتم في إطار تنظيم محكم، مدعوم بتكنولوجيا متقدمة، من طائرات مسيّرة وأجهزة تشويش، إلى هواتف تعمل عبر الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع.
حصيلة العملية جاءت ثقيلة ومقلقة في الآن ذاته: زورقان سريعان مخصصان للتهريب، قوارب مطاطية بمحركات قوية، أكثر من 80 ألف يورو نقداً، سيارات فاخرة، أزيد من 1100 لتر من الوقود، أجهزة GPS، أسلحة نارية وبيضاء، طائرة مسيّرة، ومعدات متطورة أخرى… ترسانة تعكس ليس فقط حجم النشاط، بل أيضاً مستوى الجرأة الذي وصلت إليه هذه الشبكات في تحديها المباشر لسلطات المراقبة.
ورغم تقديم العملية كنجاح أمني مهم، إلا أنها تكشف في العمق واقعاً أكثر تعقيداً: شبكات عابرة للحدود، مرنة، متشعبة، وقادرة على إعادة إنتاج نفسها بسرعة. كما تعيد طرح أسئلة حارقة حول مدى تغلغل هذه الأنشطة، وحجم الأرباح التي تجعل من المخاطرة خياراً مغرياً، بل ومربحاً في سوق سوداء لا تعترف بالقوانين.
في النهاية، ما جرى ليس مجرد تفكيك شبكة، بل كشف لجزء صغير من جبل جليد ضخم. فخلف كل زورق تم حجزه، هناك آخر يستعد للإبحار، وخلف كل شبكة تم إسقاطها، أخرى تعيد ترتيب صفوفها في الظل. وبين ضفتي المتوسط، تستمر المأساة بصمت ثقيل: بشرٌ يفرّون من واقع قاسٍ، وشبكات تتاجر في أحلامهم، وسلطات تحاول اللحاق بسباق مفتوح… سباق لا يبدو أن له خط نهاية قريب.
14/04/2026