في تطور جديد يسلّط الضوء على تراجع سرديات الانفصال داخل بعض الدوائر السياسية والإعلامية الإسبانية، وتزايد الاقتناع الأوروبي بواقعية الطرح المغربي بخصوص قضية الصحراء، برز موقف مجلس الشيوخ الإسباني الرافض قبول سؤال برلماني حول استبعاد فئة “عديمي الجنسية”، التي يشكل انفصاليو البوليساريو غالبيتهم الساحقة، من عملية التسوية الاستثنائية للمهاجرين التي أقرتها حكومة بيدرو سانشيز.
السيناتور الإسباني الموالي للطرح الانفصالي فابيان تشينيا، المنتمي إلى “التجمع الاشتراكي الغوميري”، بدا مصدوماً من قرار هيئة مجلس الشيوخ، بعدما حاول إحراج الحكومة بسؤال مباشر حول الأسباب القانونية التي دفعتها إلى استبعاد من يطالبون بصفة “عديمي الجنسية”، ومعظمهم محسوبون على الطرح الانفصالي المرتبط بجبهة البوليساريو.
ويُعد “التجمع الاشتراكي الغوميري” حزباً سياسياً إقليمياً في إسبانيا، ينشط أساساً في جزيرة لا غوميرا ضمن جزر الكناري.
لكن المفارقة التي يتجنب كثيرون في إسبانيا قولها بصوت مرتفع، هي أن هذا الملف يكشف العبث السياسي والقانوني الذي رافق لعقود تسويق وهم “الدولة الصحراوية”. فكيف يمكن لجبهة تدّعي تمثيل “دولة” و”شعب” و”كيان سياسي”، أن يتحول أتباعها في أوروبا إلى فئة تطالب بوثائق “عديمي الجنسية”؟ وأين اختفت شعارات “الجمهورية” المزعومة عندما يتعلق الأمر بالإقامة والامتيازات الاجتماعية والتسوية القانونية داخل أوروبا؟
قرار مجلس الشيوخ الإسباني بعدم قبول السؤال بدعوى أنه “ذو طابع قانوني بحت”، يعكس بدوره الحرج المتزايد داخل المؤسسات الإسبانية من هذا الملف الشائك، خصوصاً بعد التحول التاريخي في موقف مدريد الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية.
ورغم محاولات بعض الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها “سومار”، استغلال الملف لإحياء الخطاب العاطفي التقليدي حول البوليساريو، فإن الواقع القانوني والسياسي أصبح أكثر وضوحاً: إسبانيا لم تعد قادرة على الاستمرار في تغذية وضعيات رمادية تستفيد منها شبكات الانفصال والمتاجرة السياسية بقضية انتهى المجتمع الدولي تدريجياً إلى الاقتناع بأن حلها يمر عبر السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.
النائبة الصحراوية الموالية لما يسمى بالبوليساريو، تسلم سيدي، سارعت إلى مهاجمة الحكومة الإسبانية والمطالبة بالتراجع عن القرار، غير أن دخول قانون التسوية حيز التنفيذ أكد أن مدريد اختارت هذه المرة التعامل ببراغماتية مع الملف، بعيداً عن الابتزاز الإيديولوجي الذي ظلت تمارسه لوبيات الانفصال داخل بعض المؤسسات الإسبانية.
وتكشف هذه الأزمة، مرة أخرى، حقيقة طالما حاولت الدعاية الانفصالية إخفاءها: آلاف الأشخاص الذين يتم تقديمهم كـ”لاجئين سياسيين” أو “عديمي الجنسية” يعيشون منذ سنوات في وضع قانوني ملتبس، بينما تستثمر قيادات البوليساريو هذا الملف كورقة ضغط سياسية وإنسانية للحصول على الامتيازات والدعم داخل أوروبا.
وفي النهاية، لم تُسقط إسبانيا فقط ورقة “التسوية الاستثنائية” من يد الموالين للبوليساريو، بل أسقطت معها آخر الأقنعة التي حاولت الدعاية الانفصالية الاختباء خلفها لعقود. فحين يتحول من يدّعي امتلاك “وطن” و”جمهورية” إلى مجرد ملف داخل خانة “عديمي الجنسية”، فإن الحقيقة تكون قد خرجت من تحت ركام الشعارات.
اليوم، تجد البوليساريو نفسها أمام مأزق تاريخي خانق: لا اعتراف حقيقياً على الأرض، ولا شرعية سياسية متماسكة، ولا حتى قدرة على إقناع حلفائها الأوروبيين بروايتها القديمة. أما المغرب، فيواصل تثبيت سيادته بثقة، مدعوماً بواقع تنموي ودبلوماسي يزداد قوة يوماً بعد يوم.
لقد انتهى زمن بيع الأوهام في العواصم الأوروبية، وباتت مدريد نفسها تدرك أن ملف الانفصال لم يعد سوى عبء سياسي ثقيل، وورقة محترقة لفظها الواقع قبل أن تلفظها المؤسسات.
19/05/2026