يواصل المغرب وإسبانيا دفع مشروع النفق البحري الذي يُرتقب أن يربط بين ضفّتي مضيق جبل طارق، في وقت اختار فيه الجانبان الانتقال إلى مرحلة جديدة من الدراسات الزلزالية والجيوفيزيائية الدقيقة. وتكشف هذه الخطوة عن رغبة مشتركة في تسريع تقييم الجدوى العلمية والتقنية للمشروع وإزالة ما تبقى من غموض يحيط بالبنية الجيولوجية للمضيق، خاصة مع حساسيته المرتبطة بوجوده على خط التقاء الصفائح الإفريقية والأوراسية. ورغم الزخم السياسي الذي رافق الإعلان، أثار الاتفاق غموضاً واسعاً في مدريد بسبب شحّ المعلومات المقدّمة للصحافة حول تفاصيله العلمية والمالية.
الاتفاق الذي جاء خلال الاجتماع رفيع المستوى بين الرباط ومدريد تميّز بسرّية إسبانية لافتة، إذ تجنبت وزارة النقل الإسبانية، تحت إشراف الوزير الاشتراكي أوسكار بويتني، تقديم شروحات حول بنود التعاون الجديد رغم المطالب البرلمانية والإعلامية المتكررة. وكل ما تأكد رسمياً هو أن الاتفاق يدخل ضمن أربعة عشر بروتوكولاً وُقِّعت خلال قمة وُصفت بالقصيرة والغامضة، ما دفع بعض أحزاب المعارضة إلى انتقاد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس بسبب غياب الشفافية في ملف يعتبر استراتيجياً للمغرب وإسبانيا معاً.
وتقنياً، يقوم الاتفاق على تعاون مباشر بين “المعهد الجغرافي الوطني الإسباني” و“المركز الوطني للبحث العلمي والتقني بالمغرب”، بهدف تعميق فهم النشاط الزلزالي في المضيق وإجراء أبحاث مشتركة لرصد احتمالات التسونامي وتبادل البيانات العلمية وتنسيق نشر أجهزة القياس والرصد. وتشير مصادر مطلعة إلى أن مدة الدراسات تمتد لثلاث سنوات قابلة للتمديد، على أن تستفيد منها بشكل خاص الشركة الإسبانية المكلفة بدراسة مشروع الربط القاري، والتي استعادت نشاطها مؤخراً بعد سنوات من الجمود عبر إطلاق صفقات لاقتناء معدات متطورة للبحث الجيوتقني والبحري.
ورغم التقدم العلمي، تبقى التحديات التقنية قائمة، أبرزها ما يعرف بـ“عتبة المضيق”، وهي منطقة جيولوجية معقدة تتداخل فيها ست طبقات مختلفة، ما جعل قدرة آلات الحفر على اختراقها محل شك لعقود. ويشير المهندس الإسباني رافائيل غارسيا مونخي إلى وجود منطقتين بطول 2.5 كيلومتر و1.5 كيلومتر تشكلان العقدة الأساسية أمام المشروع، قبل أن تفتح التطورات الحديثة في آلات حفر الأنفاق نافذة أمل جديدة قد تقلّص المخاطر التقنية وتجعل المشروع قابلاً للتنفيذ.
أما من حيث التكاليف، فالعائق المالي ظل دائماً الأكثر ثقلاً، إذ قُدرت كلفة المشروع قبل ثلاثة عقود بثلاثة عشر مليار يورو، غير أن التقديرات الحديثة ترفع الرقم إلى أكثر من ثلاثين ملياراً، وهو ما يفسر البطء الإسباني في إطلاق مراحل متقدمة أو تقديم جداول زمنية واضحة. ومع ذلك، تؤكد الرباط ومدريد تمسّكهما بفكرة تعزيز الربط القاري، خاصة في ظل الدينامية الاقتصادية التي يشهدها شمال المغرب وبروز الحاجة إلى بنى تحتية جديدة تعزز المبادلات اللوجيستيكية.
وتعود فكرة الربط القاري إلى سنة 1989 حين طُرح مشروع جسر عملاق فوق المضيق، قبل التخلي عنه سنة 1995 لصالح نفق سككي مزدوج شبيه بنفق المانش بين فرنسا وبريطانيا. وتقوم النسخة الحديثة على إنشاء نفقين للقطارات السريعة ونفق ثالث للخدمات، مع مسار إجمالي يبلغ 38.7 كيلومتراً، منها 27.7 كيلومتراً تحت قاع البحر، ما يسمح بعبور لا يتجاوز ثلاثين دقيقة بين المغرب وإسبانيا، ليكون من أطول الأنفاق البحرية في العالم بآفاق استراتيجية كبيرة لربط إفريقيا بأوروبا.
ورغم التقدم الملحوظ في الدراسات، تؤكد وزارة النقل الإسبانية أن المشروع ما يزال في مرحلة تقييم الجدوى، وأن الحديث عن جدول زمني “سابق لأوانه”. كما ترفض الشركة الإسبانية المكلفة بإعداد الدراسات المموّلة أوروبياً تقديم أي تفاصيل إضافية، مما يعكس قدراً من الحذر الإسباني مقابل طموح مغربي متجدد يدفع نحو الانتقال من الأبحاث النظرية إلى الخطوات التنفيذية، في مشروع يبدو الطريق إليه طويلاً لكنه يظل أحد أكثر مشاريع الربط القاري جرأة في تاريخ الحوض المتوسطي.
12/12/2025